عانت أسواق الأسهم العربية من القصور الذاتي على مدار عام 2009 إذ أخفقت في استعادة جزء كبير من خسائرها التي تكبدتها بسبب الأزمة المالية العالمية التي اندلعت أواخر العام 2008.
وعلى مدار العام، تعرضت الأسواق العربية لضغوط نفسية نتيجة التطورات الحاصلة في بورصة وول ستريت والبورصات العالمية الأخرى نظرا لما اعتبره مستثمرون بأن هناك ارتباط وثيق بين أسواق الأوراق المالية العربية وخصوصا في منطقة الخليج الغنية بالنفط والأسواق العالمية.
وقدرت مؤسسات دولية وإقليمية الخسائر التي تكبدتها البورصات العربية بما يتراوح بين 500 إلى 600 مليار دولار بنهاية العام 2008.
وقال الأمين العام لاتحاد هيئات الأوراق المالية العربية عبدالله الطريفي: «إن هناك 20 بورصة عربية بعدد شركات مدرجة يبلغ 1500 شركة ورأسمال مجمع بقيمة تريليون دولار».
وبفضل تدخل حكومات الدول الغربية، نجحت الأسهم العالمية في استعادة أكثر من 60 في المئة من خسائرها لكن الأسهم العربية ظلت رهينة عدد من العوامل من بينها انعدام الثقة وضعف الطلب الأجنبي وتذبذب أسعار النفط والمؤشرات المتضاربة بشأن التعافي العالمي. وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية وسلطات النقد والمال الأخرى في الدول العربية ، لم تنجح بورصات المنطقة إلا في استرداد جزء بسيط من خسائرها بما يتراوح بين 9 في المئة في قطر و30 في المئة في السوق السعودية بنهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
وقال محافظ البنك المركزي الأردني سابقا محمد نابلسي لوكالة الأنباء الألمانية إنني «أعتقد أن أسواق الأسهم العربية عانت بشكل أساسي نتيجة التراجع الحاد في أسعار النفط».
كان الاضطراب العالمي قد دفع أسعار النفط للتراجع بشكل مثير من 144 دولارا للبرميل في يوليو/ تموز العام 2008 إلى أقل من 40 دولارا للبرميل بنهاية العام الماضي.
وقال نابلسي: «إن انهيار أسعار النفط بشكل حاد قلل من حجم فوائض عائدات البترول بالدولار الباحثة عن الاستثمار في البورصات العربية».
وأرجع انتعاش الأسهم العالمية بالأساس إلى «التدخل المباشر» من جانب السلطات المالية والنقدية الأميركية والاقتصادات الرئيسية الأخرى «لضخ أموال» في النظام المصرفي.
وأضاف نابلسي للوكالة الألمانية أن «الدعم الحكومي لبورصات منطقة الشرق الأوسط بدا غير كافٍ وذلك في ضوء الخسائر الضخمة التي منيت بها الأسواق نتيجة للأزمة المالية العالمية».
وبعد فترة وجيزة من اندلاع الأزمة العالمية، أنشأت الهيئة العامة الاستثمار الكويتية صندوقا بقيمة 5 مليارات دولار من أجل تنشيط البورصة الكويتية المترنحة. لكن هذا الائتمان بدا غير كافٍ وخصوصا من جانب مديري شركات الاستثمار الكويتية إذ أن ست شركات منها سجلت خسائر بنحو 20 مليار دولار عقب الانهيار المالي العالمي.
كان رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني قد كشف مؤخرا أن الحكومة أنفقت حتى الآن خمسة مليارات دولار على شراء الأسهم والأدوات المالية من أجل تعزيز بورصة البلاد والنظام المصرفي.
ويرى الخبير الاقتصادي الأردني فهد فانيك أن الأداء البطئ لأسواق الأوراق المالية العربية هذا العام يرجع بالأساس إلى «انعدام الثقة من جانب المستثمرين في استدامة مسيرة ارتفاع الأسواق العالمية».
وقال فانيك - الذي يدير مكتبا للاستشارات الاقتصادية - لوكالة الأنباء الألمانية إن «الكثيرين من المستثمرين في منطقتنا لديهم مخاوف من أن التعافي قد يكون اصطناعيا وقد يتوقف فيما بعد» وبدت البورصات العربية أنها نهضت من محنتها في النصف الأول من العام لكن بدا أن درجة تعرضها لمخاطر قد تزايدت مع إعلان اثنتين من كبرى الشركات السعودية وهما مجموعتا القصيبي والسعد عن تعرضهما لصعوبات مالية.
كما أرجع فانيك باللائمة على التراجع الحاد في القطاع العقاري بالمنطقة باعتباره أحد الأسباب وراء الأداء الضعيف للبورصات العربية.
وبدا أن تحليله كان منطبقا في مديونية مجموعة «دبي العالمية» التي تفجرت في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
وكانت دبي العالمية قد توسعت خلال العقد الماضي في إنشاء مشروعات عقارية مبهرة مثل جزر على شكل سعف النخيل في عرض الخليج وبناء أطول ناطحة سحاب في العالم على أمل أن تصبح مقصد السياح في منطقة الشرق الأوسط.
وتراجعت حدة الاضطراب في الأسواق العالمية ومنطقة الشرق الأوسط مع بداية ديسمبر/ كانون الأول بعد أن أسرعت السلطات المالية والنقدية في دولة الإمارات ودول أخرى بالمنطقة إلى طمأنة الأسواق بشأن قدرة الإمارة على الوفاء بجميع الديون وأنه لا يوجد ما يستدعي القلق بشأن خطوة مجموعة «دبي العالمية». هذا الاضطراب وصفه محللون في المنطقة بأنه مبالغ فيه وأرجعوا هبوط أسواق الأسهم إلى المناخ الذي يتسم بالغموض ونقص المعلومات اللذين لازما خطوة شركة دبي العملاقة.
وقال مدير مكتب «صفا» السعودي للاستشارات المالية صالح الثقفي لقناة «سي إن بي سي» العربية ومقرها في دبي إننا «نرى أن ثقة المستثمرين في المنطقة قد اهتزت من تأجيل دبي العالمية سداد الديون ويفضل المستثمرون الآن الانتظار إلى حين تجسد الحقيقة».
ويرى محللون آخرون في تراجع أسعار الأسهم فرصة شراء يجب اقتناصها. وقال فانيك إنه «إذا ما كنت مستشارا لمضاربين فإنني سأنصحهم بالدخول من أجل تحقيق مكاسب من هذا الوضع الإيجابي».
العدد 2654 - الجمعة 11 ديسمبر 2009م الموافق 24 ذي الحجة 1430هـ