العدد 2665 - الثلثاء 22 ديسمبر 2009م الموافق 05 محرم 1431هـ

إصلاح أنظمة التقاعد في دول الخليج من الأفول إلى الاستدامة

مع احتمال انخفاض المتقاعدين الفرصة سانحة لاسيما أن الضغوط متدنية

قالت دراسة أجرتها شركة «بوز أند كومباني» وحصلت «الوسط» على نسخة منها أمس (الثلثاء) إن هناك فرصة حقيقية أمام دول مجلس التعاون الخليجي للقيام بإصلاح أنظمة التقاعد لتعزيز الأُسس المالية لهذه الأنظمة، لكنها طالبت بإجراء التغييرات على مراحل تمتد لأعوام عدة.

وتوضح الدراسة أن مما لا شكّ فيه أنّ أنظمة التقاعد في مجلس التعاون الخليجي سخيّة جدا، فالعاملون في المنطقة يتقاعدون في سنّ مبكرة ويتقاضون معاشات تقاعد مرتفعة. وتؤدّي أنظمة التقاعد في المنطقة، على مستوى توفير الرفاه الاجتماعي، دورها على أكمل وجه، إلا أنّ التركيز على الرفاه الاجتماعي يتعارض مع ابتعاد دول المنطقة عن نموذج «دولة الرفاه»، ونحو نموذج قائم على التعددية الاقتصادية وازدهار القطاع الخاص.

ووجدت دراسة «بوز أند كومباني» أنّ أنظمة التقاعد الحالية تفتقد للاستقرار وغير قابلة للاستدامة، وأن نجاح عملية إصلاح هذه الأنظمة يرتكز على تحويل المسئولية تدريجيا نحو العاملين المشتركين في أنظمة التقاعد ومدراء صناديق الاستثمار الخاصة، ما يساهم في تنمية الأسواق المالية في دول مجلس التعاون ويقلِّص الدور الحكومي في هذا المجال.


إصلاح أنظمة التقاعد المتداعية في دول التعاون

تؤمّن أنظمة التقاعد بشكل عام ثلاثة مزايا رئيسية: فمن الناحية الاجتماعية، تسمح للمتقاعدين بالمحافظة على مستوى الاستهلاك الذي اعتادوه قبل التقاعد، أو على الأقل تشكّل شبكة أمان تحميهم من الفقر. ومن الناحية المالية، تقوم أنظمة التقاعد على الالتزامات الطويلة الأمد واستثمارات طويلة الأمد، الذي من شأنه تخفيف تقلّب الأسواق المالية وتعزيز أسواق رأس المال، أما من الناحية الاقتصادية، فإنها تعطي الناس حافزا للعمل، فتعزّز سوق العمل وتجعل الدولة أكثر تنافسية.

وفي هذا السياق، قال ريتشارد شدياق، الشريك في بوز أند كومباني، «في دول مجلس التعاون الخليجي، تعمل أنظمة التقاعد من أجل تحقيق هدف اجتماعي، ولا تعمل كثيرا على تحقيق الأهداف الاقتصادية والمالية للمنطقة»ّ. وعلى الرغم من استدامة أنظمة التقاعد حاليا، مع مساهمة 25 موظفا في صناديق التقاعد مقابل متقاعد واحد يسحب معاشه التقاعدي من الصندوق، سوف تتغيّر هذه المعادلة بحلول العام 2050، لتبلغ نسبة 3 موظفين مقابل المتقاعد الواحد في بعض الدول.

وفي هذا الإطار، أضاف شدياق، «أصبح إصلاح أنظمة التقاعد ضروري لتعزيز الأُسس المالية التي تقوم عليها هذه الصناديق، والمحافظة على دورها كشبكة أمان للمواطنين ولتطوير الأسواق الرأسمالية في المنطقة ودعم فعالية أسواق العمل الإقليمية».

إن خطط التقاعد التي تعتمدها دول مجلس التعاون الخليجي سخية وتعتمد على حسابات مرتفعة لمعاش التقاعد، تشمل عادة 1 إلى 3 أعوام من آخر الحياة المهنية للعامل. وتميل معدّلات استبدال الرواتب في التقاعد إلى أن تكون مرتفعة - بحيث يبلغ معدّلها في بعض الدول 80 في المئة من الراتب قبل التقاعد، كما يتوفّر هذا المعدّل للأشخاص البالغين الذي لا يزيد عمرهم عن 40 عاما في العديد من الدول.

في دول الخليج، إنّ المعدلات التراكمية - أي نِّسَب تراكم معاشات التقاعد سنويا (accrual rate) - مستقرة وثابتة بغضّ النظر عن مستوى الراتب، الأمر الذي يؤدّي إلى معدّلات استبدال ثابتة. في هذا الإطار، قال سامر بحصلي، مدير أول في بوز أند كومباني، «وفقا لأهداف إصلاح معاشات التقاعد التي تحددها دولة ما، يمكن النظر إلى عدد من الخيارات الأخرى إلى جانب المعدّلات التراكمية الثابتة. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى المعدّل التراكمي التقدّمي الذي يرتفع بحسب أعوام العمل مع التقدّم في السنّ، وبذلك يعطي الحافز للاستمرار في العمل». كما يُعتبر المعدّل التراكمي التراجعي خيارا آخر، بحيث تنخفض المعدّلات مع ارتفاع مستوى الدخل.

حاليا، تتوفّر في سوق العمل الخليجية حوافز كبيرة للتقاعد في سنّ مبكرة عوضا عن الاستمرار بالعمل: فيتقاعد 9 من أصل 10 ذكور في سنّ 60 عاما، مقابل 1 من أصل 10 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

يشكّل استحداث وسائل ادّخار للمساعدة في تعزيز الأسواق المالية في المنطقة مسألة أخرى مطروحة للإصلاح. وعليه، شرح شدياق، «لا يحظى العاملون في دول مجلس التعاون الخليجي بالتشجيع الكافي للادّخار للتقاعد ولا تتوفّر أي آلية تشبه آلية التقاعد الطوعي المعتمدة في الاقتصادات الأكثر نضجا». إلى ذلك، لا تشجّع الهوامش المرتفعة في المصارف على الادّخار، كما لا ينتشر التأمين على الحياة في دول مجلس التعاون. كما أن النقص في الخبرة الاستثمارية المتقدّمة وارتفاع معدّل الاستهلاك (إذ تضع دراسة حديثة إمارة أبوظبي بين المدن التي تتمتع بأعلى مستويات الاستهلاك في العالم) يسلّطان الضوء على تردّد العاملين في التخلّي عن منطق الاعتماد على «دولة الرفاه».

يشكّل إدخال اليد العاملة المُنتِجة الأجنبية في أنظمة التقاعد فرصة تحسين واضحة ، سيما وأن ثلاثة أرباع الموظّفين في دول مجلس التعاون من الأجانب. في الإمارات والكويت مثلا، ترتفع نسبة العاملين الأجانب أكثر، لتبلغ 83 في المئة و82 في المئة على التوالي.

في هذا الإطار، صرّح بحصلي، «في حين بحثت الدول الأخرى التي تتمتع بنسب عاملين أجانب مرتفعة عن وسائل لإدخالهم في أنظمة التقاعد، تفادت الحكومات في دول مجلس التعاون القيام بمثل هذه المبادرات ووضعت بذلك حدودا لجاذبيتها كوجهة للخبرات الأجنبية». وعملت بعض الشركات الخاصة على معالجة هذه المسألة، فوضعت خطط تقاعد خاصة للمحافظة على مدرائها الأجانب الأساسيين.

وعبر استثناء العاملين الأجانب من أنظمة التقاعد، تفوّت بعض دول مجلس التعاون الخليجي فرصة مهمة لتعزيز أسواقها المالية: فتغطية التقاعد للأجانب تعني أن المساهمة في صناديق التقاعد في بعض الدول قد تتضاعف ثلاث مرات مما هي عليه حاليا».

في النهاية، من المؤكد أن المقاربة الحالية لدول مجلس التعاون في تمويل صناديق التقاعد لن تستمرّ في المستقبل. فأنظمة التقاعد التي تعتمدها مموَّلة بشكل جزئي (partially funded)، ما يعني أن جزء من المنافع مموّل عبر استثمارات ناتجة عن فائض في المساهمات، والجزء المتبقي مدعوم بنظام الدفع عند الحاجة (pay as you go)، حيث تُسحب رواتب المتقاعدين من الاشتراكات التي يدفعها العاملون الحاليون.

وفي هذا الإطار، قال شدياق، «هذه المقاربة ضرورية لأن الأصول غير كافية لتغطّي الالتزامات على المدى الطويل. في الحالات المُثلى، يجب أن تتحوّل أنظمة التقاعد في المنطقة إلى أنظمة مموّلة بالكامل (fully funded)، حيث تغطّي الأصول الالتزامات على المدى الطويل لكي تغطَى معظم المنافع من مردود المساهمات المُستثمَرة».

ولا يطرح التمويل الجزئي لأنظمة التقاعد مشكلة حاليا، ولكن مع تغيّر الوضع السكاني في المنطقة، لن يتوفّر عدد العاملين الكافي لدعم المتقاعدين. وسوف يشهد معدّل «اتكال المسنّين» (أي معدّل العاملين المشتركين بنظام التقاعد مقارنة بالمتقاعدينdependency ratio ) انخفاضا حادا مع تقدّم السكان في السن.


أهداف الإصلاح: ما تحتاجه أنظمة التقاعد في دول التعاون

سوف تدفع مواطن الضعف هذه بدول مجلس التعاون في نهاية المطاف إلى إصلاح أنظمة التقاعد التي تعتمدها. لكن من المنطقيّ بدء إصلاحات التقاعد اليوم، سيّما وأن الضغوط الديموغرافية ما زالت أقلّ حدّة ويمكن للتغييرات أن تحقق أهدافها.

ويشكّل فتح أنظمة التقاعد أمام العاملين الأجانب (ضمن شروط معينة) وأصحاب المهن الحرّة من أهم الإصلاحات الممكن العمل عليها اليوم. أما ثاني أهم الإصلاحات فيكمن في الحد من دور الحكومة في إدارة أنظمة التقاعد والاهتمام بالعاملين عند تقاعدهم. أما الإصلاح الرئيسي الثالث فهو إدخال عنصر الادّخار التقاعدي الطوعي، لكي يتمتع العاملون بخيار يسمح لهم بادّخار الأموال فوق المستوى المخصص لهم. أما الإصلاح الرابع فيكمن في جعل حسابات التقاعد للعاملين قابلة للنقل، بحيث لا يواجه العاملون احتمال خسارة حسابات التقاعد الخاصة بهم في حال غيّروا وظيفتهم أو تركوا الدولة المقيمين فيها.

وفي هذا الإطار، علّق بحصلي، «يجب أن تدرس دول مجلس التعاون الخليجي تغييرات تكتيكية أخرى تتضمن إعادة النظر في المعدلات التراكمية للتمكّن من توزيع الثروات بشكل أفضل، وخفض معدّل استبدال الراتب المضمون إلى مستويات تتوافق مع الدول المتقدّمة، بالإضافة إلى تحديد زيادة التقاعد وفقا لمعدّلات التضخّم وتقليص المساهمات القسرية في صناديق التقاعد المفروضة على الشركات».


طرق إصلاح أنظمة التقاعد

اعتمدت معظم الدول التي قامت بمراجعة أنظمة التقاعد إما على إصلاح المحددات (Parametric reform) أو إصلاح شامل للنظام (Systemic reform). وتشمل إصلاحات المحددات مراجعة المتغيرات التي يقوم عليها نظام التقاعد في دولة ما لضمان الاستقرار المالي، شأن سن التقاعد أو معدلات المساهمة القسرية. أما إصلاحات النظام الشاملة فهي أكثر تعقيدا، وتشمل إدخال عدّة مستويات من أنظمة التقاعد (multi-tiering)، وهي تشمل عادة راتب تقاعدي مضمون من خلال صناديق التقاعد العامة(Tier-1)، تُضاف إليه مزايا الصناديق الخاصة (Tier-2 and Tier-3).

يتسم المستوى الأول (tier-1) برعاية الحكومة وبصندوق تقاعد إلزامي (مثل الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة)؛ ويتسم المستوى الثاني (tier-2) بكونه فاعل عبر صناديق إلزامية تديرها الشركات (مثل صندوق شركة جنرال إلكتريك). أما المستوى الثالث (tier-3) فيتسم بالمساهمات المحددة، حيث يقوم العاملون طوعا بادّخار مبلغ يختارونه ويستثمرونه كيفما أرادوا، زيادة عما تدّخره باسمهم الدولة وربّ العمل (مثل IRA أو 401k في الولايات المتحدة).

ويُعتَبر البنك الدولي داعما قويا لاعتماد النظام المتعدّد المستويات كوسيلة لإصلاحات النظام الشاملة التي تجعل أنظمة التقاعد أكثر قوة، فعندما تستحدث الحكومات مستويات التقاعد الخاصة، غالبا ما تقوم بذلك بهدف تحويل المسئولية إلى الموظّف ومدراء الصناديق الخاصة والحد من مسئوليتها.

وعليه، قال شدياق، «قد لا تكون إصلاحات المحدّدات بحدّ ذاتها كافية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلاّ أن إصلاحات النظام الشاملة لا تضمن النجاح أيضا». فيجب أن تتوفّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لإنجاح الإصلاحات. فمثلا، من المستبعد أن تنجح أي حكومة في القيام بإصلاح شامل للنظام لو كانت تعاني من عجز مالي كبير. ثانيا، من المستبعد أن تنجح دولة ما في القيام بإصلاحات النظام الشاملة في حال عدم تطوّر أسواقها وخدماتها المالية، بسبب غياب الجهة الجديرة بتولّي إدارة المستويات الخاصة.


نظام التقاعد الجديد: ثلاثة مستويات تديرها الحكومة

تحتاج منطقة مجلس التعاون الخليجي إلى نموذج إصلاح فريد قائم على إنشاء المستويات الثلاثة بحسب ما تقتضيه أفضل الممارسات العالمية و لكن ضمن مظلة الصناديق العامة التي تتولّى الحكومة إدارتها أصلا. وفي المرحلة الأولى يجب أن تتولى الحكومات إدارة المستويات الثلاثة، مع وضع خطة واضحة لتسليم المستوى الثاني إلى الشركات الخاصة عند جهوزيتها، وتسليم المستوى الثالث مع نشوء شركات خدمات مالية قادرة على تولّي الصناديق التي يساهم بها الموظّفون (المستوى 3). ونظرا لعدم جهوزية هذه الشركات المالية في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، من غير المستحسن أن تتخلى الحكومات عن مسؤولية إدارة أنظمة التقاعد، على الأقل في المدى المنظور.

«عوضا عن ذلك، يجب أن تدعم الحكومات مفهوم «صندوق واحد/ ثلاثة مستويات» (single fund / three-tiers)، وتعطي المؤسسات العاملة في السوق المالية الوقت اللازم لإرساء البنية التحتية الضرورية وتطوير خدماتها»، على حدّ قول بحصلي. ويتمحور الهدف الطويل الأمد حول تركيز دور الحكومات في مجال التقاعد على تأمين الأمان الاجتماعي (عبر ضمان مستوى معيشي معيّن للمتقاعدين)، في حين تؤمَّن المزايا المالية والاقتصادية عبر المستويات التي يموّلها الموظّفون والشركات.

كما يجب أن يندرج موضوع إصلاحات المحددات ضمن عملية التغيير. فقد تحقّق التغييرات في المحددات نجاحا كبيرا في ضمان الاستقرار المالي لمفهوم «الصندوق واحد/مستويات ثلاثة»، ما يسمح بالابتعاد عن نماذج التمويل الجزئي والانتقال إلى نماذج التمويل الكلّي.

ومن شأن إدخال الناحية الطوعية من البرنامج في الصندوق العام المتوفّر أن يحرك المستوى الثالث، ما يساعد العاملين في ادّخار أموال تقاعد «إضافية» في صندوق عام يعرفونه ويثقون به. في هذا الإطار، يقول شدياق، «سوف يخلق تدفّق الأموال في المستوى الثالث الظروف المؤاتية لازدهار الأسواق الرأسمالية، والوصول بدول مجلس التعاون الخليجي إلى مرحلة يمكن فيها تسليم صناديق المستوى الثالث (tier-3) للشركات الخاصة لإدارتها».


الخلاصة

مما لا شكّ فيه أنّ أي تغيير لطبيعة المزايا لن ترضي بعض المستفيدين الحاليين من أنظمة التقاعد المُعتمدة في دول مجلس التعاون الخليجي، وعليه من الضروري جدولة التغييرات على مراحل تمتدّ على عدّة أعوام، ما يعطي العاملين الوقت للاعتياد عليها وتغيير سلوكهم المالي. هناك فرصة حقيقية أمام دول مجلس التعاون الخليجي للقيام بإصلاح أنظمة التقاعد اليوم لتعزيز الأُسس المالية لهذه الأنظمة والمحافظة على دورها كشبكة أمان مالية والسماح للعاملين أصحاب الدخل المتدني بالمحافظة على عاداتهم الاستهلاكية بعد التقاعد. ومن شأن الإصلاحات أيضا أن تساهم في تطوير الأسواق الرأسمالية الإقليمية وتعزيز فعالية أسواق العمل. ويمكن لهذه الإصلاحات، وفي حال تمّت بالطريقة السليمة، أن تساهم في تقدّم أنظمة التقاعد لترتقي إلى مصافّ أفضل الأنظمة العالمية.

العدد 2665 - الثلثاء 22 ديسمبر 2009م الموافق 05 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً