العدد 456 - الجمعة 05 ديسمبر 2003م الموافق 10 شوال 1424هـ

الميثاق... فوّض مَن؟ لتعديل ماذا؟ وعن ماذا صمت؟ ولماذا؟

منتدى «الوسط» عن الملكية الدستورية ونظام المجلسين (1-2):

الوسط - عباس بوصفوان، وخليل عبدالرسول 

05 ديسمبر 2003

في الرابع عشر من فبراير/ شباط 2001 أجمع شعب البحرين على ميثاق العمل الوطني الذي استهل به جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عهده الإصلاحي، وقد أكد الميثاق على إحداث تغيير دستوري في مسألتين، الأولى هي تغيير مسمى دولة البحرين «بناء على الطريقة التي يقرها الأمير وشعبه»، والثانية «تعدل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور الخاصة بالسلطة التشريعية لتلائم التطورات الديمقراطية والدستورية في العالم وذلك باستحداث نظام المجلسين، بحيث يكون الأول مجلسا منتخبا انتخابا حرا مباشرا يختار المواطنون نوابهم فيه ويتولى المهمات التشريعية، إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص للاستعانة بآرائهم فيما تتطلبه الشورى من علم وتجربة».

فكيف تنظر مختلف الأطراف اليوم إلى الميثاق؟ وما مدى إلزاميته لكل من الحكومة والشعب؟ وما سعة تفويضه لتعديل الدستور؟ وما المترتب على تحول البلاد إلى مملكة دستورية؟ للإجابة على هذه الأسئلة استضاف منتدى «الوسط» كلا من عضو مجلس الشورى الشيخ خالد آل خليفة، ورئيس معهد الـ

(عبدالعزيز أبل) بصفتك عضوا في لجنة إعداد ميثاق العمل الوطني... برأيك لماذا جيء بالميثاق؟

- أبل: أولا ينبغي أن أشير إلى أنني كنت عضوا مستقيلا من لجنة إعداد الميثاق، وأن جزءا أساسيا من أسباب الاستقالة هو ما سأتحدث عنه في هذا الحوار.

منذ حل المجلس الوطني في العام 1975 وحتى تسلم جلالة الملك مقاليد الحكم في العام 1999، كانت البلاد تعيش احتقانا في ظل غياب السلطة التشريعية، وقد كانت التشريعات لا تعبر عما يريده المجتمع، بل كانت تعبر عن المصالح والرؤى التي تريدها الدولة (الأمير والسلطة التنفيذية)، وتراكمت احتقانات كثيرة إلى أن جاء الملك فأراد أن يتسم عهده بجزء من الإصلاح ومعالجة هذه التراكمات، فجاء بميثاق العمل الوطني.

إن تجربة الميثاق جاءت استنساخا لتجربة الأردن، إذ عاش الأردن ما بين 1957 و1986 انقطاعا في العمل الديمقراطي، فالملك حسين أراد أن يعيد المجلس الذي حل في العام 1957 بعد انتفاضة في معان في العام 1986، والبحرين عاشت مثل هذه الظروف والانتفاضة والصعوبات، فجاء الملك وأراد أن يحل هذه المشكلة بالميثاق.

غير أننا لو قارنا تجربة ميثاق العمل الوطني بتجربة الميثاق في الأردن لوجدنا تجربتنا هي الأسوأ، فهناك تماثل بين تجربتي الأردن والبحرين في أهداف الميثاق، وحين طرح علينا الميثاق - كأطراف خارج الصف الرسمي - أردنا بالفعل أن نصل إلى المصالحة، ولكننا فوجئنا بالصيغة الأولى للميثاق بإعادة صوغ المفاهيم السياسية والتاريخ البحريني، وأعتقد أن الميثاق في صيغته الأولى لم يكن الغرض منه المصالحة بل أريد منه أن يمر في اتجاه قلب المسألة الدستورية ودستور 1973».

أما عن آلية إقرار الميثاق فقد كانت السلطة (وقد أوضح لنا مستشار الملك حينها حسن فخرو هذا الأمر) تريد إقامة مؤتمر شعبي لإقرار الدستور بتعيين ممثلين من الجمعيات، وهذا لم يكن ليعطي الشرعية للميثاق، فيما تطورت الآلية فيما بعد للاستفتاء، وهي خطوة قانونية سليمة أعطت للشعب إقرار وثيقة تقرر مستقبل المصالحة والإصلاح السياسي.

وهل ترى أن الميثاق يحمل صفة الإلزام؟

- أبل: نعم، أصبح الميثاق ملزما للشعب والنظام بعد تصويت الشعب عليه.

إذا، أنت تقول إنها خطوة إيجابية للخروج من أزمة سياسية؟

- نعم.

الميثاق... الهدف والالزام

- جوليد: أعتقد أن الميثاق مثل مصالحة وإصلاحا لما فسد طوال الخمس وعشرين سنة التي سبقته.

- خالد آل خليفة: أتصور أن الوطن العربي بأكمله وليس البحرين فقط، شهد خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي حالا من الاحتقان والجمود السياسي وعدم التطور، فمنذ السبعينات ظلت كل الأنظمة والقضايا العربية مجمدة.

وقد جاء الميثاق كبادرة لإنهاء مرحلة سياسية عاشتها البحرين كما عاشتها الدول العربية الأخرى، ونحن كبحرينيين حين صوتنا على المشروع استطعنا أن ننهي هذه المرحلة، بدأنا مرحلة جديدة، وسواء جاءت هذه المرحلة نتيجة اضطرابات سياسية أم لا، فهي تعني تطورا سياسيا، والمجال مفتوح للتطور المستقبلي.

هل تعتقد أن الميثاق ملزم؟ وما حدود هذا الإلزام في ضوء الحديث عن تعديلات دستورية تجاوزت ما تم الاتفاق عليه في الميثاق؟

- خالد آل خليفة: أنظر إلى الميثاق بكونه اتفاق شرف بين السلطة والشعب، وهذا يشبه الميثاق الذي حدث في بريطانيا في القرن الثالث عشر بين الملك والشعب، وتاليا جاءت هذه المفاهيم التي تطورت في بريطانيا منذ حوالي 700 سنة حتى الآن.

إنني أعتقد أننا أخذنا الميثاق كقاعدة نعتبرها ملزمة ويجب ألا نخرج عن الخطوط العريضة التي جاءت فيها، وأنا متأكد أن الميثاق بعد 30 أو 40 سنة لن يبقى كما هو الآن بل ان المفاهيم ستتطور ويتطور الوضع السياسي.

- الهاشمي: الميثاق جاء لإقرار صيغة سليمة بين الحاكم والمحكوم، فصحيح أن الدافع الأساسي كان رفع حال الاحتقان التي كانت موجودة في الساحة، وخصوصا ما بين العام 1994 و1999، ولكن الشيء الأساسي الذي يفترض أن الميثاق جاء ليحققه هو أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم كانت خاطئة وكانت الدولة تسير على أن على المواطن واجبات من دون حقوق، وأن للحاكم حقوقا من دون واجبات، فالميثاق جاء ليقر أن لكل من الحاكم والمحكوم حقوقا وعليه واجبات.

إن الميثاق كان خطوة إيجابية، ولهذا اندفع الكثير من الرموز والشخصيات وأفراد المجتمع لتأييدها، لإزالة الاحتقان أولا ومن ثم بناء علاقة سليمة بين الحاكم والمحكوم.

وهل مازلت تعتقد أن الميثاق كان خطوة إيجابية؟

- الهاشمي: نعم مازلت أقول ان الميثاق خطوة إيجابية.

وما هي حدود الالزام للميثاق بحسب اعتقادك؟

- الهاشمي: إنني أعتقد أن مسألة حدود الالزام ترتبط بفرضية وجود مرجعية تحدد هذا الأمر، فهل الميثاق ملزم أم أن الدساتير هي الملزمة؟ كما رأينا بالنسبة إلى إنشاء المحكمة الدستورية، بحيث يرجع القانون إلى مرجعية محددة.

ولعدم وجود مرجعية محددة للميثاق من الطبيعي أن نختلف في صفة الزامه، فالمواثيق - كما يقول الكثير - ليست لها طبيعة الزامية كما هي الدساتير، غير أنها تأتي لتأكيد شيء مفروغ منه والناس متسالمة عليه، كما يأتي القرآن في ذكر توحيد الله سبحانه فهو لا يأتي ليثبت الوحدانية بل ليذكر الناس بها.

- جوليد: إننا نجد أن النظام الأساسي للحكم في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة هو الاستفتاء، وفي بعض دول العالم نجد أن عملية الاستفتاء أقوى من الدستور نفسه، أما عن الزامية الميثاق فإنني أعتقد أن خطاب الملك كافٍ لإعطائه صفة الالزام حين قال: «نريد ميثاقا للوطن ووثيقة للعهد وركيزة للعقد الاجتماعي الجديد في مسيرتنا الوطنية، يرسخ ويوثق آثار البحرين، ويميزها وتراثها الحضاري، ويؤكد الوحدة الوطنية أرضا وشعبا، كما يمثل في الوقت ذاته دليلا عاما للمستقبل، ويحدد معالم الطريق ويستكمل مؤسسات الدولة ونظمها ويرسم آفاق الغد الأفضل للبحرين الجديدة التي نريدها أبهى وأجمل لنا ولأجيالنا المقبلة»، لذلك أقول إن كلام جلالة الملك يلزمه ويلزم كل من وقع الميثاق، كوثيقة وخريطة للمستقبل وليست وثيقة كاملة.

كما أن بعض الأمور في الميثاق تحتاج إلى التطوير، كمؤسسات الدولة... البرلمان والبلديات والمحكمة الدستورية ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنظم التي تستخدمها، وكلها مؤسسات تحتاج إلى البناء والتقوية.

جدلية «استشرافات المستقبل»

- أبل: أرى أن الميثاق تحدث في بدايته عن التاريخ والمبادئ الأساسية والقيم النبيلة التي يراد للشعب البحريني أن يتمثلها، وهذه كلها لم تخرج عن دستور العام 1973، ولهذا أنا أتفق مع ما قاله خالد آل خليفة بشأن تنازل ملك بريطانيا (ماجنا كارتا، الميثاق العظيم) الذي أعطى عهدا للنبلاء ليدير البلد بطريقة معينة، وكان ذلك نقطة تحول للحكم من حكم الملك مطلق الصلاحية إلى حكم النبلاء.

إنني أرى أن «استشرافات المستقبل» في الميثاق هي التي تحدد الخلاف الدائر اليوم في البحرين، فما ذكره جوليد من مقدمات للميثاق أمر جميل ولا أحد يختلف بشأنها بل ان ما ذكره موجود في دستور العام 1973 وهو الذي مهد لما في الميثاق، فالخلاف الدائر هو في كيفية تطبيق «استشرافات المستقبل» التي ركزت على أمرين، أولا: مسمى دولة البحرين، «ويقرر التعديل الدستوري التسمية الرسمية لدولة البحرين بناء على الطريقة التي يقرها الأمير وشعبه»، وأعتقد أن هذا نص العبارة «يقرها الأمير وشعبه» لم يتم الالتزام به، ولم تتم المناقشة في ذلك ولا إقراره من قبل الشعب.

ثانيا: السلطة التشريعية، وفيه «تعدل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور الخاصة بالسلطة التشريعية لتلائم التطورات الديمقراطية والدستورية في العالم وذلك باستحداث نظام المجلسين» فقط، فلم يحدد تغيير صلاحيات الملك ولم يقل إن الميثاق مطلوب منه إصدار دستور جديد، من قال هذا الكلام؟ هذا ليس موجودا أبدا.

لكن ألا ترى أن هناك تفويضا من الميثاق للأمير بإجراء التعديلات الدستورية؟

- أبل: لم يكن هنالك أي تفويض لـ عظمة الملك حينها بإجراء هذا الكم من التعديلات، وقد قلنا لجلالة الملك ذلك في التاسع من فبراير/ شباط العام 2002م فأقر بذلك، إلا أن رمزي الشاعر (قانوني كان له دور بارز في صوغ الميثاق)، قال له لديك تفويض من رسالة الشيخ عبدالله بن خالد (وزير العدل حينها)، فقلنا لا يعقل أن يفوض وزير الأمير...

ولكن، تم التصويت على الميثاق...

- أبل: نعم، تم التصويت على الميثاق ولكن اعطني كلمة واحدة فيه تقول بهذا التفويض.

- جوليد: فيما يخص التفويض فإن «استشرافات المستقبل» التي استدل بها أبل تقول: «إن هذا الميثاق وقد توافق الجميع على محتواه حكومة وشعبا، وأخذا في الاعتبار أنه يمثل وثيقة عمل مستقبلية للبلاد، وأن تفعيل الأفكار الأساسية الواردة فيه تتطلب بعض التعديلات الدستورية، فإنه يلزم لذلك ما يلي...»، فهذا يعد تفويضا بإجراء التعديلات، غير أن آلية التعديل لم تذكر، كما أن مسمى الدولة يعدل بالطريقة التي يقرها الأمير والشعب، و«تصدر القوانين على النحو الذي يفصله الدستور وفق النظم والأعراف الدستورية المعمول بها في الديمقراطيات العريقة»، بمعنى أن التعديل سيكون في الدستور بما يتوافق وما جاء في «استشرافات المستقبل»، وهو تغيير تسمية الدولة ونظام المجلسين، كما أرى أن الميثاق يفوض بتعديل الدستور...

ولكن، من الذي يعدله؟ هل تقصد أن التصويت على الميثاق كان ضوءا أخضر للأمير (جلالة الملك) بتعديل الدستور؟

- جوليد: الميثاق لم يذكر آلية التعديل وتركها مفتوحة، وهذا الجدل سيظل دائما وقائما لمئات السنين المقبلة، إلا أن الواقع يقول إن الميثاق يفوض بتعديل الدستور، أما مَن يعدل وكيفية التعديل فلم تذكر.

«ديباجة» أم قانون ملزم؟

- الهاشمي: أتصور أن الديباجة التي بدأ بها جوليد حديثه عن «استشرافات المستقبل» و«الاستعانة بأصحاب الخبرة وآرائهم» وغيرها، تمثل كلاما خطابيا وليس نصا قانونيا يمكن الالتزام به، وهو ما أثار كل هذا الجدل.

كما أننا لا نختلف بشأن الاستفتاء لما استدل به جوليد من الاستفتاء في ولاية كاليفورنيا، فالأمر هو ماذا هو متعلق الاستفتاء؟ إذا كانت مبادئ ملزمة من قبل، فحصل الاستفتاء أم لم يحصل فهو يصبح عملية تأكيدية للأطراف المتعاقدة، أما الاستفتاء التأسيسي الذي يؤسس لعلاقة (تحكمها) الحقوق والواجبات فلا تكون من دون عملية الاستفتاء، وهذا هو ما نود الحديث عنه.

إن الميثاق إذا كان يتحدث عن بعض الأمور الواضحة للالتزام بها، كأن يقول قائل «إن الشأن التشريعي يرتبط بالسلطة التشريعية»، فهذا من الواضحات التي لا تحتاج إلى ميثاق ولا اتفاق بين الحكومة والشعب، ولكن جوهر المشكلة يكمن في عملية التعديلات الدستورية التي جرت خارج إطار الميثاق...

- جوليد: (الهاشمي) أنت تقول إن الميثاق غير ملزم لأن صيغته غير قانونية...؟

- الهاشمي: أنا تحدث لك بشأن الديباجة التي ذكرتها وليس عن الميثاق كله.

- جوليد: ما ذكرته من ضمن الميثاق، فإن كانت هي صيغة خطابية فحسب، فمن ناحية سياسية ليس هناك ما يلزم الطرفين (الحكومة والشعب) على ما تعاهدا عليه في الميثاق، فيكون الميثاق أدبيات نقرأها وانتهى الأمر، فإذا نظرنا إلى الأمر من ناحية فنية فالمفروض أن أي شخص لا يوقع شيئا إلا بعد أن يفهمه.

حتى لو افترضنا وجود تفويض ما، إلا أن الميثاق لم يتحدث عن نظام المجلسين بحيث يجعل مجلس الشورى متساويا مع المجلس النيابي في العدد والصلاحيات التشريعية، ما رأيك؟

- خالد آل خليفة: قبل الإجابة، أود التعليق على مسألة التفويض، إذ يجب أن ننظر إلى الميثاق كمرحلة من مراحل تاريخية قائمة، فإذا ركزنا على الميثاق كورقة وما فيها من تفاصيل ونسينا البيئة التي من حولها والنقلة التي أحدثتها سياسيا، فهذا يعني أننا سنظل ندور في دائرة مغلقة لا يمكن الخروج منها.

لذلك أعتقد أن الميثاق يختلف عن الدستور، فالدستور يمكن أن يتغير بحسب الآلية التي يقرها عبر السلطة التشريعية، إلا أن الميثاق يعد مرحلة انتهت ولا يمكن الرجوع إليها مرة أخرى، غير أنها قاعدة أساسية بدأنا نبني عليها.

أما مسألة إنشاء مجلسين بدلا من مجلس واحد، فالميثاق أعطى خطوطا عريضة في هذا الشأن، ولم يعط التفاصيل، بل ان التفاصيل يتم الاتفاق عليها فيما بعد.

وعن مسألة انتقاص صلاحيات المجلس النيابي، فإنك حين تختار نظاما سياسيا ديمقراطيا، فهناك نظم سياسية ديمقراطية مختلفة في الهند وكندا وأميركا وبريطانيا والأردن، فالمهم ما هو دور المجلسين، فمجلس النواب أعطي الصلاحية التشريعية والرقابة فيما مجلس الشورى لم يعط الدور الرقابي، بل أعطي صلاحية التشريع فقط.

إن على كل عضو في مجلس الشورى أن يعلم أن دوره الأساسي يكمن في المحافظة على مكتسبات الوطن والمصلحة العامة، فلو جاء مثلا من يسيطر على المجلس المنتخب ويقول بمنع سواقة المرأة السيارة فإن مجلس الشورى... (سيكون له دور في رفض هذا الاقتراح).

ألا تعتقد أن واحدة من المكتسبات هي أن يكون المجلس المنتخب أكبر في صلاحياته من مجلس الشورى؟

- خالد آل خليفة: مجلس النواب الآن أكبر في صلاحياته من مجلس الشورى، فهو يتمتع بصلاحيات الرقابة.

البحرين والملكية الدستورية

إن ميثاق العمل الوطني يعني إحداث تغيير في مسمى الدولة إلى مملكة، ويتحول الأمير إلى ملك، ألا ترى أن ذلك له مترتبات كثيرة؟

- أبل: إننا نعيش في عالم واحد، فالبحرين ليست لديها خصوصية إلا في صغر مساحتها وطيبة شعبها فقط، فالمواطن البحريني يمكن له أن يعيش في أميركا مواطنا يصوت في انتخاباتها، لذلك ينبغي أن نأخذ الأمور في إطارها السائد في العالم.

إن الملكية الدستورية على رغم تعدد أنواعها لا تختلف في الأسس الدستورية، فالامبراطورية في اليابان والمملكة المغربية مثلا لا يختلفان في نظام المغايرة بين المجلسين، وأول مغايرة أن يختلفان في العدد، وفي كندا - كنموذج يحتذى - المجلس المعين فيها يعين من قبل مجالس الولايات المنتخبة، وذلك على أساس أن من يمتلك السيادة الشعبية يفوض من خلال الولايات لانتخاب المجلس، فنحن في البحرين خالفنا حتى مبدأ المغايرة هذا، الذي يقوم على أن المجلس إما أن يكون منتخبا بشكل غير مباشر ويكون جزء منه إذا انتخب يشتمل على أربعة أخماس من المعينين كما هو في المغرب الآن.

إن البلاد العربية اليوم لا توجد فيها ملكية دستورية فيما عدا المغرب، فحتى نظام الملكية في الأردن ليس ملكية دستورية لأن المجلس المعين يعين من الملك، والملك له صلاحيات تنفيذية، وليس هناك ملك ينتخب لكي يكون لديه نظام رئاسي، فهنا خلط بين النظام الرئاسي والنيابي.

على رغم ما لدينا من ملاحظات على التجربة المغربية، فإنها تجربة تقترب كثيرا من شكل الديمقراطيات العريقة، إذ يملك الملك ولا يحكم.

هل تقصد أنه يوجد تصور واضح لدى قوى المعارضة بشأن الملكية الدستورية؟

- أبل: طبعا، فمسألة الملكية الدستورية واضحة، فأولا ينبغي أن نميز الملكية الدستورية عن الملكية المطلقة، فالملكية الدستورية تعني أن يكون هنالك ملك فقط وليس بيتا مالكا، فبريطانيا ونيوزلندا لديهما دساتير غير مكتوبة، أما النرويج والدول الاسكندنافية فلديها صلاحيات واضحة ودساتير مكتوبة تحدد صلاحيات الملك وتقول إن صلاحياته إجرائية، ويملك ولا يحكم.

وهل تحققت هذه الممالك في ظل سنة أو سنتين؟

- أبل: بالطبع لا، وإن كانت هذه الممالك قد تحققت بعد الدماء التي سالت في القرون الوسطى، ولكن هل نريد نحن أيضا ثلاث دورات دموية تطيح بالملكية ومن ثم تعلن الجمهورية لنعود بالملكية مرة أخرى؟ نحن لا نريد ذلك.

إننا لم نقل ان على العائلة الحاكمة أن تتحول إلى عائلة ملكية اليوم، وفي كل الممالك الدستورية فإن البيت المالك (العائلة الملكية) يكون حتى الدرجة الثالثة من القرب إلى الملك فقط، فهذا حديث نظري لم نتحدث عنه حتى الآن، ولم نتحدث عن الوزارات السيادية، فنحن نرى الآن أن ليست هناك ملكية مطلقة، وحتى أسماء الشيوخ في العائلة الحاكمة والقريبين من الملك إلى أمراء، وهذا يعني الكثير بالنسبة إلى السياسيين.

ولكن لم يقل أحد ان الوضع الحالي هي الملكية التي ننشدها وينشدها جلالة الملك نفسه...

- أبل: أتفق معك، وليس هناك خلاف بشأن هذه المسألة، غير أننا نتحدث عن صلاحيات الملك التي تم إقرارها بالتعديل، في حين أن تعديل الدستور كان يجب أن يستند إلى دستور 1973، وذلك لقول الميثاق: «تعدل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور...»، أي الدستور الذي كان قائما حينذاك، فلم يقل تعديلا شاملا في الدستور.

إن الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان كان ملكا دستوريا وإن سمي أميرا إلا أن الأمر أصبح مختلفا الآن.

- خالد آل خليفة: لا شك أننا حين نتخذ من بعض الأنظمة الديمقراطية الموجودة في العالم نماذجا، فإن ظروف هذه الدول مختلفة عن ظروفنا، ولذلك فإن ظروف العائلة الحاكمة في البحرين هي كظروف العائلات الحاكمة في المنطقة، وانني إذ لا أريد التركيز على مسألة القبلية بتاتا إلا أنها موجودة في الوطن العربي، ونحن نتحدث عن مؤسسات ديمقراطية ومتطورة لا تلعب فيها التركيبة القبلية دورا.

إن وضع العائلة الحاكمة والملكية الدستورية في البحرين سيشهد تطورا قادما، فالملك في بريطانيا في الماضي كان يخاطب النبلاء أما اليوم فأصبح يخاطب الناس عموما، فالتطور في البحرين يأتي باكتسابنا الخبرة في ممارستنا الديمقراطية بحق وصدق، حتى الوصول إلى البناء المتكامل للديمقراطية، وإنني أرى أن الأهم هو روح القانون والمحافظة على المكتسبات

العدد 456 - الجمعة 05 ديسمبر 2003م الموافق 10 شوال 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً