يمكن اعتبار العام 2009 عام الانتخابات في المملة المغربية، إذ عاش المغرب خلال هذا العام مسلسلا انتخابيا استمر عدة شهور. إنها سنة انتخابية بامتياز مكنت من تجديد النخب السياسية على صعيد المجالس المحلية (الحضرية والقروية)، كما مكنت المحطة الانتخابية من تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين الذي يعد الغرفة الثانية المتخصصة في التشريع.
منذ يونيو/ حزيران وإلى غاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضيين، انطلق المسلسل الانتخابي الذي انتهى باحتلال حزب الأصالة والمعاصرة الجديد الصدارة في النتائج. حزب أسسه فؤاد عالي الهمة، صديق العاهل المغربي، تمكن في وقت قياسي من أخذ مكانته في الساحة السياسية المغربية، إذ أفادت كل النتائج المحصل عليها على الفوز الساحق لهذا الحزب، الذي اختار رمز الجرار، بحيث أنه تمكن من الظفر برئاسة عدد من مجالس المحافظات بل إنه انتزع عمودية عدد من المدن الكبرى مثل مراكش السياحية (جنوب المغرب) وطنجة عروسة شمال المملكة.
والأبعد من هذا أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي اصطف في المعارضة، تمكن من الفوز برئاسة مجلس المستشارين بعد أن صوتت الغالبية البرلمانية على مرشحه محمد الشيخ بيد الله، الوزير السابق وأمين عام الحزب، ضد مرشح الغالبية.
ويعتقد المحللون السياسيون أن ما حققه حزب صديق الملك من فوز ليس إلا عقابا للأحزاب السياسية العتيقة التي تداولت على الحكم دون أن تكسب ثقة المواطنين. ثم إن ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة خلق نوعا من «الحركية» في الساحة السياسية المغربية، إذ انتفضت أحزاب صغرى كانت قررت الاندماج في حزب صديق الملك وأدى ذلك إلى ضرورة اللجوء إلى المحاكم الإدارية لفض نزاعات انتهت بميلاد أحزاب كانت قائمة لكن بأسماء جديدة.
وقبيل الدخول السياسي بالمملكة، أقدم العاهل المغربي على تعديل حكومي من خلال إزاحة وزيرة الثقافة الفنانة المغربية ثريا جبران التي كانت محسوبة على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعين مكانها الأديب والروائي بن سالم حميش الذي فاز بجائزة نجيب محفوظ للأدب. كما تميز التعديل الحكومي بإشراك حزب الحركة الشعبية اليميني من خلال إسناد حقيبة
وزير الدولة لأمينه العام أمحند العنصر، ومنصب كتابة الدولة في الخارجية لأحد قيادي هذا الحزب.
ومن الناحية القضائية، نظرت العدالة المغربية هذا العام في العديد من ملفات مكافحة الإرهاب أبرزها ما يعرف بخلية «بليرج» التي أعلنت السلطات المغربية عن تفكيكها بداية العام 2008، والتي وصل عدد المتورطين فيها نحو 35 عنصرا من بينهم سياسيون معروفون. المحاكمة انتهت الصيف الماضي بإصدار عقوبات قاسية منها المؤبد والحبس لمدة ربع قرن ومدد أخرى، ما دفع بعض الهيئات الحزبية على رأسها حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعارض، الذي يوجد أحد قادته ضمن معتقلي الخلية، إلى طلب عفو ملكي من أجل طي هذا الملف الشائك. كما أعلنت السلطات المغربية عن تفكيك خلايا إرهابية أخرى مازالت العدالة لم تقل كلمتها الأخيرة بشأنها، وفي خضم هذه المحاكمات، طالب العاهل المغربي من وزير العدل بضرورة إصلاح القضاء وضمان استقلاليته وهو الورش الذي انكبت عليه مختلف الأحزاب السياسية وأدلت بدلوها من خلال تقديم مقترحات مازالت الحكومة عاكفة على دراستها.
ملف الصحراء لم يعرف هذا العام أي تطور يذكر، باستثناء تذكير العاهل المغربي بتشبثه بمقترح الحكم الذاتي الذي أعلن عنه سابقا مؤكدا ضرورة التصدي لمن أسماهم خونة الوطن الذين يساندون الانفصاليين. كما جدد العاهل المغربي في خطاباته دعوة الجزائر إلى إعادة فتح الحدود ووضع الاتحاد المغربي فوق مساره الصحيح.
خلال العام 2009، ارتفعت في الشارع المغربي المظاهرات احتجاجا على غلاء المعيشة وغلاء فواتير استهلاك الماء والكهرباء، إلى درجة أن اعتقالات طالت نشطاء جمعويين انخرطوا في حركة المطالبة بالحد من ارتفاع الأسعار. ولحسن الحظ أن السنة الفلاحية كانت متميزة هذا العام بفضل التساقطات المطرية التي رفعت من المحصول الزراعي في المملكة، ومع ذلك، فإن موجة الغلاء لهبت أسعار مختلف المواد الاستهلاكية، وخصوصا الخضر والفواكه، وتزامنت هذه الزيادات الصاروخية مع شهر رمضان الذي صادف هذا العام أيام الصيف. كما تعثرت جولات الحوار الاجتماعي التي تقودها الحكومة بحضور ممثلي المركزيات النقابية والمسئولين عن أرباب العمل في المغرب.. جولات
في نظر النقابات تبقى خاوية الوفاض، لكن الحكومة تعتبرها تقدما ملموسا في مجال معالجة المشاكل والتصدعات الاجتماعية.
العام الذي سينتهي بعد أيام قليلة كان بمثابة عام أسود بالنسبة إلى كرة القدم المغربية. انتكاسة حقيقية أصابت المنتخب المغربي، ما اضطر الاتحاد المغربي إلى التفكير في إسناد مهمة التدريب إلى أربعة عناصر خلفا للمدرب الفرنسي روجي لومير الذي أقيل من منصبه مقابل مبلغ مالي قدر بآلاف الدراهم.
واقتصاديا، لم يسلم الاقتصاد المغربي هذه السنة من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على اقتصاديات العالم. الحكومة تجندت لمواجهة انعكاسات الأزمة، وخصوصا في بعض القطاعات مثل النسيج وصناعة السيارات، وخصصت دعما ماليا للمقاولات التي تشتغل في المجال تفاديا لوقوع كارثة اجتماعية، ومع ذلك، ألقت الأزمة بظلالها بالنسبة للعديد من المقاولات الصغرى والمتوسطة وأيضا على بورصة الدار البيضاء الذي مرت بأيام قاسية.
كما لم يسلم المغرب من جائحة انفلونزا الخنازير، إذ سجلت حتى الآن أربع حالات وفاة إلى جانب آلاف من الإصابات التي أعلنت وزارة الصحة أنها تماثلت للشفاء وأنها غادرت المستشفيات. لقد عاشت السينما المغربية هذا العام الذكرى الـ50 على تأسيسها، وهناك أفلام مغربية توجت في العديد من المهرجانات المغربية والعربية وكذا الدولية، مثل فيلم «كزا ميغرا» لمخرجه نور الدين الخمري الذي حصل على جائزة أحسن مخرج.
العدد 2668 - الجمعة 25 ديسمبر 2009م الموافق 08 محرم 1431هـ