الذهاب إلى مقر العمل والعودة منه قد يستغرق أي وقت إذا صادفتك اختناقات مرورية لكن بالنسبة لميريل راكور يستغرق ذلك أكثر من عشرة أيام من الطيران والإبحار وسط أمواج عاتية وأجواء قاسية.
فالدكتورة راكور باحثة في المركز الوطني للأبحاث العلمية الذي تموله الحكومة الفرنسية إلى جانب كونها محاضرة في جامعة كلود برنار بمدينة ليون.
لقد سافرت إلى المحطة العلمية الفرنسية في دورمون دورفيل في شرق القارة القطبية الجنوبية على مدى ثمانية فصول صيفية لإجراء أبحاث على نوع من طيور البطريق يعرف باسم (اديلي) انخفض عدده بأكثر من 65 في المئة على مدى ربع قرن نتيجة لتقلص البحار الجليدية وندرة الطعام.
وقالت راكور من على متن كاسرة الجليد استرولاب التي يصيب إبحارها ركابها بالدوار في المحيط الجنوبي لـ «رويترز» في فرنسا من المستحيل أن يزور طائر بطريق من نوع الاديلي مكتبك مثل ما يحدث هنا في القطب الجنوبي.
بطريق الاديلي مثال فريد على التأقلم الايضي مشيرة إلى مجموعة التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل الخلايا وتسبب حالة توازن بين ما يتناوله الكائن من طعام وما يستهلكه في الأنشطة التي يقوم بها.
وطائر البطريق الذي أصبح رمزا لسكان القطب الجنوبي هو من الكائنات ذات الدم الدافئ لأنها تستطيع الاحتفاظ بحرارة جسمها عند 38 درجة مئوية رغم البيئة الجليدية المحيطة التي تتدنى فيها درجة الحرارة إلى ما دون الصفر بدرجات. ويهدف برنامج المركز الوطني للبحث العلمي رصد آلية التأقلم لدى بطريق الاديلي في مواجهة هذا البرد القارس طوال حياته.
ويعتبر شهر ديسمبر/ كانون الأول هو أدفأ الأشهر في القارة القطبية الجنوبية حين يتبادل البطريق الأب والأم الجلوس على البيض لتدفئته حتى يفقس.
والصغار بحاجة إلى النمو السريع حتى لا تنفق وسط هذه البيئة القاسية.ونظرا لقصر موسم الصيف هذا يدخل صغار بطريق الاديلي سباقا مع الزمن كما يسمح امتداد النهار لنحو 24 ساعة بأن تمكث ساعات طويلة في معملها وسط الجليد.
وقالت أي تغير في درجات الحرارة ناتج عن الظروف المناخية وتوفر الطعام بما يؤثر على نمو الصغار ومخزونها من الطاقة له تأثير قاتل على بقاء الصغار على قيد الحياة في الفترة المبكرة وأيضا لاحقا وقت الرحيل إلى البحر.
وساعد التغير المناخي في زيادة أعداد طائر البطريق لأنه يسر الوصول إلى الطعام لكن راكور تقول إن أي خلل في النظام البيئي مهما كان صغيرا يمكن أن يتسبب في أضرار كارثية في عدد الطيور البحرية.
من المعتاد أن تجد الباحثة الفرنسية أحد طيور بطريق الاديلي يدخل بقدميه معملها مستكشفا ويسهل عليها حينها أن تأخذ عينات من مخلفاته في منديل ورقي لتحليلها.
أما في فرنسا فيميل عملها أكثر نحو إلقاء المحاضرات وإجراء الأبحاث وهو ما يجعل الفترة التي تقضيها وسط جليد القطب الجنوبي فترة مميزة. وتقول راكور «معظم الوقت نقضيه هنا في العمل».
إنه شيء عظيم أن تجد كل هذا الوقت للعمل.وحين لا تعمل تتنزه راكور على الجليد أو تلعب البلياردو مع سكان آخرين في دورمون دورفيل. أما ذروة الأسبوع فهي سهرة سينمائية تحول فيها قاعة الطعام إلى صالة للسينما.
وخلال الفترة من ديسمبر حتى مارس/ آذار يمكن أن يصل عدد المقيمين والعاملين في المعسكر إلى 70 فردا لكن في الشتاء ينخفض الرقم إلى نحو 25 .
وبموجب معاهدة القطب الجنوبي التي تنظم العلاقات الدولية في القارة الوحيدة التي لا يوجد بها سكان محليون من البشر يعتبر بطريق الاديلي والكينج هما النوعان الوحيدان من أنواع طائر البطريق المسموح بإخضاعهما للتجارب والأبحاث.
العدد 2670 - الأحد 27 ديسمبر 2009م الموافق 10 محرم 1431هـ