تعتبر أسعار النفط الأشد حساسية تجاه التطورات الاقتصادية العالمية، الإيجابية منها والسلبية، لذلك فقد تأثرت هذه الأسعار بصورة مباشرة مع بداية هبوب رياح الأزمة المالية العالمية في نهاية العام 2009.
وقد أوجدت الأزمة صدمة قوية في أسواق النفط وأدت إلى هبوط الأسعار من أعلى معدلاتها القياسية في شهر يوليو/ تموز من العام 2008 والتي بلغ فيها سعر برميل النفط 147 دولارا لينخفض بسرعة كبيرة إلى 35 دولارا فقط في شهر يناير/ كانون الثاني من العام 2009.
وعلى رغم من تعافي أسعار النفط اعتبارا من الربع الثاني من العام الحالي، وذلك بعد ظهور بوادر على بداية تعافي الاقتصاد العالمي، وبالأخص في البلدان الآسيوية الناشئة، إلا أن المعدل الوسطي لسعر برميل النفط في العام 2009 والبالغ 59 دولارا ظل منخفضا بنسبة 28 في المئة عن متوسط سعره في العام 2008 والذي بلغ 83 دولارا للبرميل.
وفي نهاية العام الجاري تأرجح سعر برميل النفط ما بين 67- 80 دولارا، وهو ما اعتبر ملائما للبلدان المنتجة والمستهلكة على حد سواء، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف الأزمة المالية وما تمخض عنها من تأثيرات سلبية على أسواق المال والنقد في العالم وشح في السيولة وتراجع في الأنشطة الاقتصادية والتي نجم عنها انخفاض في الطلب على النفط في الأسواق العالمية.
وعلى العكس من السنوات السابقة، فإن انخفاض سعر برميل النفط في العام 2009 لم يترك آثارا سلبية على الاقتصادات الخليجية والتي استطاعت التعامل بمرونة فائقة مع تداعيات الأزمة المالية العالمية من جهة، ومع انخفاض أسعار النفط من جهة أخرى.
لقد تمكنت الاقتصادات الخليجية في العام 2009 من المحافظة على مستويات الانفاق التي اعتمدت في موازنة العام 2008، وبالتالي فإنها تعتبر من الاقتصادات العالمية القليلة التي حققت معدلات نمو إيجابية في العام 2009، وذلك على رغم من تراجع نسب النمو المرتفعة التي تحققت في السنوات الخمس الماضية.
لقد ساعدت العديد من العوامل في التقليل من التأثيرات السلبية للأزمة المالية العالمية على الاقتصادات الخليجية، فالمؤسسات المالية في دول مجلس التعاون الخليجي لم تتورط بصورة كبيرة في أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن أوضاعها المالية الجيدة بشكل عام مكنتها من معالجة المخصصات المالية الكبيرة نسبيا لبعض الشركات والمجموعات الخليجية المتعثرة.
وفي نفس الوقت، تبنت دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الماضية سياسة متحفظة في تحديد سعر برميل النفط عند إعداد موازناتها السنوية، وهو ما جنبها المبالغة في بنود الانفاق العام والعجز الكبير في حالة انخفاض أسعار النفط بصورة مفاجئة وكبيرة، كما حدث في العام الجاري.
إذ تشير الأرقام المعلنة إلى أنه تم اعتماد سعر يتراوح ما بين 50 - 55 دولارا للبرميل عند اعتماد الموازنات الخليجية للعام 2009. وبما أن متوسط سعر برميل النفط لهذا العام تجاوز هذا المعدل ليصل إلى 59 دولارا للبرميل، فإن ذلك ما يفسر استمرار الأنشطة الاقتصادية في دول المجلس بمعدلات جيدة رغم انحسار الأنشطة الاقتصادية في العالم وانكماش العديد من الاقتصادات العالمية.
وينتظر أن تشهد أسواق النفط في الشهور القليلة القادمة الكثير من التقلبات، وذلك كنتيجة طبيعية لحالات التذبذب التي يمر بها الاقتصاد العالمي في محاولاته للخروج من عنق الأزمة المالية، إلا أن المؤشرات العامة لأسعار النفط سوف تتجه للأعلى في العام 2010 والذي سيشهد المزيد من التعافي للاقتصادات العالمية.
ومن المهم في هذا الجانب أن يكون لأسعار النفط دور إيجابي في عملية التعافي، وذلك بتعاون الأطراف الدولية الفاعلة، وبالأخص البلدان الصناعية المستهلكة ومنظمة الأقطار المصدرة للنفط “الأوبك” للحد من المضاربات الضارة في أسواق النفط والتي عادة ما تؤدي إلى تقلبات شديدة تزيد من حدة الأزمات العالمية.
وفي سبيل ذلك، فإنه يمكن التنسيق بين البلدان المنتجة والمستهلكة لوضع آلية لتسعير النفط، بحيث تعكس هذه الآلية السعر العادل لبرميل النفط من جهة وتساهم في استقرار الأسعار في الأسواق العالمية من جهة أخرى، مما سيؤدي بدوره إلى المساهمة في استقرار الاقتصاد العالمي بشكل عام، بما في ذلك أسعار المواد الغذائية التي شهدت في العام 2008 ارتفاعات حادة زادت من أعداد الجياع والفقراء في العالم.
ونظرا لهذه التطورات المرتقبة، فإن الاقتصادات الخليجية مقبلة على مرحلة جديدة من النمو في العام القادم، إذ يتوقع أن تستعيد القطاعات الاقتصادية في دول المجلس، بما فيها القطاع المالي والمصرفي عافيتها وتعود لتحقيق معدلات نمو وأداء مرتفعة مع حلول العام 2010.
العدد 2677 - الأحد 03 يناير 2010م الموافق 17 محرم 1431هـ