أكدت البيانات صحة التوقعات القائلة بأن الصين ستتفوق على اليابان هذا العام لتصبح ثاني قوة اقتصادية في العالم، ما أثار حالة من القلق المتنامي بين صانعي القرار والخبراء والمواطنين حيال تداعيات هذا النمو السريع التي تتبلور في صورة إنتاج مفرط وغلاء فاحش في العقار ومعدلات بطالة متعاظمة.
كما تخشى القيادة الصينية أن يخلق نجم بلادهم الصاعد آمالا في زيادة دورها في إدارة شئون العالم، فيما يعرب الخبراء عن استيائهم من سياسة التأميمات التي صاحبت بها الحكومة مسار الانتعاش الاقتصادي.
أما الشعب، فيشعر بالتذمر من أن المؤشرات الاقتصادية الرنانة لا تعكس واقع الحياة اليومية لعامة المواطنين.
أفادت الحكومة الصينية بأنها راجعت البيانات الرسمية في الأسبوع الأخير من 2009، لتكتشف أن النمو الاقتصادي قد سجل معدلا أسرع من المقدر مبدئيا، ومن ثم فتوشك الصين على تجاوز اليابان كثاني قوة اقتصادية في العالم، نتيجة لثلاثة عقود من النمو المذهل.
فوفقا لمعلومات مكتب الإحصاء الوطني بلغ الناتج الإجمالي الصيني في 2008 نحو 4.52 تريليونات دولار، ما يعني تقليص الفارق بينه وبين الناتج الإجمالي الياباني الذي بلغ 4.9 تريليونات في نفس السنة. كما تحقق مكتب الإحصاء من أن الاقتصاد الصيني قد نما بنسبة 9.6 في المئة وليس 9 في المئة كما كان مقدرا.
فتساءل خبير الشئون العقارية في بكين كاو جينليتغ “من العظيم أن نسمع أن الصين سوف تتولى زعامة آسيا اقتصاديا، ولكن كيف سيؤثر ذلك علينا؟”.
وشرح “أنا أتعامل في العقارات والأملاك، وأعرف أن عددا كبيرا من المواطنين لم يستفيدوا من ازدهار هذا القطاع، إذ يعجزون عن شراء شقة صغيرة بغرفة نوم واحدة بعيدا عن وسط العاصمة. فهل يجوز أن نقارن أنفسنا بأهالي طوكيو؟”.
أثارت المرونة غير العادية التي أبدتها الصين إبان الأزمة المالية العالمية في العام الماضي مديحا علنيا من جانب الجميع. ومع ذلك، تشعر بكين بالقلق من أن تأتي حزمة الحوافز التي قدمتها بتداعيات طويلة الأجل على الاقتصاد في العام الجديد.
رصدت الصين حزمة حوافز قدرها 588 مليار دولار لتفادي الوقوع في حالة انكماش اقتصادي حاد بمطلع العام 2009، مقرونة بسياسة ائتمان ساعـدت على تغذية النمو.
لكنها أدت أيضا إلى تعظيم القدرة المفرطة على الإنتاج، ما حمل قطاع الأعمال الأجنبي على التنبيه إلى أن الاسستثمارات الجديدة التي تمولها خطة الحوافز الصينية قد تتسبب في إغداق الأسواق العالمية وخنق نزاعات تجارية.
وأفاد تقرير الغرفة الصينية التابعة للاتحاد الأوروبي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بأن “طراز النمو الصيني يتطلب أن يكون الطلب الخارجي، من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قادرا على استيعاب إنتاجها المفرط”. وحذر أن ضعف مسار الانتعاش الاقتصادي في الدول المتقدمة غالبا ما لن يساعد على امتصاص مثل هذا الفائض.
لكن الصين تتشبث بمواصلة السعي إلى الحصول على حصة أكبر من كعكة الصادرات العالمية. فأكد نائب وزير التجارة زونغ شان في كلمة بمنتدى للجامعة الدولية للأعمال والاقتصاديات في بكين: “صادرات الصين سوف تنمو في العام 2010، لا يوجد أدنى شك في هذا”.
وشرح أن الصين “بلد تجارية كبرى” وغالبا ما ستحل محل ألمانيا كأكبر مصدر عالمي. ومع ذلك، فليست تعد “دولة مصدرة عظمى”، وأن التصدير يعني النمو والنمو يعني وظائف لآلاف بل وملايين الصينيين، علما أن نصيب الصين من التجارة العالمية قد نما بنسبة الضعف في العام 2009. هذا ولقد تعالت مؤخرا أصوات الناقدين لسياسة التشجيع على التصدير هذه، وكذلك إجراءات التحكم في العملة الصينية، اليوان، باعتبارها أنها قد سلبت دولا أخرى من فرص خلق الوظائف.
وذكروا بأن بعض الدول المصدرة في آسيا قد شاطرت الانتقادات الغربية لسياسة الحكومة الصينية غير الرسمية بربط عملتها بالدولار الأميركي منذ صيف 2008 بغية توفير تنافسية مصطنعة لصادراتها.
حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة تسينغوا في بكين ليو وانشون “لو استمرت نفس الحوافز خلال العام 2010 فليكن، لكن المشكلات طويلة الأجل سوف تترسخ، فنحن نواجه خطرا حقيقيا من استفحال التضخم”.
وأخيرا يشير الخبراء إلى مصدر آخر للخطر الناتج عن خطة الحوافز، ألا وهو أن الشركات التابعة للدولة قد استفادت منها ومن سياسة القروض المرنة على حساب القطاع الخاص الصيني، وهو ما اعتبر بمثابة سياسة تأميم امتدت على ثلاثة قطاعات على الأقل وهي مناجم الفحم، الألبان، والصلب.
وحذروا من أن محركات النمو الأساسية كالقطاع الخاص قد انكمشت لصالح الشركات العامة الكبرى التي تحميها الدولة.
العدد 2677 - الأحد 03 يناير 2010م الموافق 17 محرم 1431هـ