برزت «القاعدة» من جديد كتنظيم يشكل تهديدا بعد محاولة تفجير كبيرة نجحت في تعزيز مصداقية متداعية بين المعجبين به الذين يتوقون لهجوم آخر بحجم هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.
فبعد قرابة خمسة أعوام على آخر هجوم كبير شنه التنظيم في الغرب تشير المحاولة الفاشلة لإسقاط طائرة أميركية فوق ديترويت يوم عيد الميلاد إلى تمتع «القاعدة» بالمرونة والابتكار والقدرة على إقناع متشددين شبان بالانتحار في إطار حملة ضد الغرب. ويظهر أيضا الهجوم الذي حاكه أتباع لـ «القاعدة» في اليمن التهديد الذي تمثله معاقل متفرقة أنشأها زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن في العالم على الغرب وذلك بعدما تعرض لضغوط في حصونه على الحدود بين أفغانستان وباكستان.
وتوصل خبراء إلى نتيجة مماثلة من هجوم شهدته الدنمارك في أول يناير/ كانون الثاني واقتحم فيه صومالي مسلح ببلطة ويشتبه بوجود صلات تربطه بتنظيم «القاعدة» منزل رسام كاريكاتير دنماركي أثارت رسومات صور فيها النبي محمد (ص) غضب المسلمين. وأطلقت الشرطة الرصاص على الصومالي وأصابته. وقال بيتر نيومان من مركز دراسة الراديكالية والعنف السياسي ومقره لندن « عادت «القاعدة» من جديد. «قد تبدو مختلفة عن القاعدة العام 2001 وقد يبدو شنّ هجوم في حجم هجوم الحادي عشر من سبتمبر مستبعدا لكن ما حدث في ديترويت والدنمارك يشير إلى أن التهديد لازال قائما... وأنه أصبح أكثر تنوعا».
وأضاف «لم تعد المناطق القبلية في باكستان هي التي تثير القلق فحسب لكن مناطق أخرى كثيرة حول العالم. يبدو أن هناك الآن مراكز إقليمية توفر كل شيء... الموارد والتدريب والإرشاد... كل هذا كان يحدث في الماضي في مكان واحد».
وسارع «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» إلى إعلان مسئوليته عن محاولة تفجير الطائرة الأميركية يوم 25 ديسمبر عندما فشل نيجيري يبلغ من العمر 24 عاما في نسف متفجرات على طائرة متوجهة إلى ديترويت. ورأى بعض المحللين أن إعلان التنظيم مسئوليته عن هجوم فاشل يعد دليلا صارخا على أن الضغط الغربي أضعف «القاعدة» كثيرا إلى حد أنها خفضت سقف نجاحاتها.
لكن بعض المحللين يختلفون مع هذا الرأي ويقولون إن الهجمات التي وقعت في الآونة الأخيرة واعتقال مشتبه بهم في الولايات المتحدة العام 2009 تشير إلى أن عزم «القاعدة» لازال قويا حتى وإن أصبحت تفتقر الآن لما كانت تتمتع به من مواهب العام 2001.
وقال بروس هوفمان وهو أستاذ الدراسات الامنية في جامعة جورج تاون في واشنطن «أمامنا عدو هائل وعنيد جدا حتى وإن ضعف». وما يقلق هو أنهم يتكيّفون ويتأقلمون حتى مع الضغط المكثف الذي نمارسه عليهم».
ويقول جيريمي بيني من مجلة «جاينز إنتيليجنس» إن بعض الجماعات التابعة للقاعدة «قد تصبح تهديدات دولية في حد ذاتها». وقال ريتشارد باريت وهو مسئول أمني بالأمم المتحدة أمام حشد في واشنطن «إنهم حذرون للغاية من لقاء أي شخص لا يعرفونه ... سيفعلون أي شيء تقريبا للتعامل مع الناس عن طريق وسيطين أو ثلاثة بدلا من التعامل المباشر. «ويجعل هذا من الصعب جدّا عليهم إيصال رسالة متماسكة وواضحة ويجعل من الصعب أيضا استخدام أي جاذبية يتمتعون بها في محاولة تجنيد وإقناع أشخاص».
ولا يزال التنظيم بعيدا عن المتاعب اليومية التي يواجهها المسلمون مع البطالة والحرب والمجاعة والحكم السيئ ويحد هذا من عدد أتباع «القاعدة».
ودخلت «القاعدة» في تحد فكري أيضا مع نشطاء ليبيين ومغاربة مشهورين ومعارضين للغرب العام 2009 بعدما برأوا أنفسهم من فكر التنظيم في كتابات بثوها على شبكة الإنترنت.
ويقول خبراء يتابعون التمويل السري لـ «القاعدة» إن الأوضاع المالية للتنظيم مضغوطة وإن القاعدة أعادت إلى أذهان أنصارها أن التبرع بالمال بديل ملائم للقتال. وعلى الرغم من هذه الانتكاسات التي حلت بـ «القاعدة» فإنها لا تزال ماهرة في استغلال مراكزها الإقليمية كما أظهرت محاولة التفجير يوم عيد الميلاد صلات التنظيم بحلفاء باكستانيين فعالين وخطيرين وفشل الغرب في مكافحة الإرهاب.
وقال ديفيد كلاريدج من مجموعة جانوسيان لإدارة المخاطر الأمنية إن محاولة تفجير الطائرة يوم 25 ديسمبر «كانت متوقعة بعض الشيء ويمكن أن نراها فشلا لكن تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» سيرى فيها أول هجوم كبير يشنه خارج منطقة نشاطه العادية.»
ولدى القاعدة أسباب تدفعها لتوقع تحقيقها نموّا العام 2010. فإرسال قوات أميركية إضافية إلى أفغانستان وتعزيز التعاون الأمني الأميركي مع اليمن يعطي «القاعدة» ذرائع كثيرة تعزز بها رأيها بأن حكام العالم الإسلامي أدوات في يد واشنطن. ويقول بعض المحللين إن هناك احتمالا أيضا أن يمنح الغرب «القاعدة» انتصارا سهلا بمبالغته في رد الفعل عن طريق تشديد إجراءات الأمن بدرجة تجعل الحياة لا تطاق. وقال فرانسوا إيزبورج من مؤسسة الأبحاث الإستراتيجية في باريس «الرد أكثر ضررا من الهجوم. فأي شخص يوجد في مكان مختلف أو مولود بلون بشرة مختلف سيقضي وقتا عصيبا في أي مطار الآن».
وذكر بعض الخبراء أن الغرب يجب أن يتجنب ردود الفعل السريعة على الأحداث وعليه أن يتبنى أسلوبا يتناسب بحرص مع حجم التهديد. وقال بول إيديل وهو خبير بريطاني في شئون دعاية المتشددين والإسلام السياسي «التأثير الأكبر لعمليات القاعدة هو رد الفعل في الولايات المتحدة وأوروبا. فحتى لو كانت الطائرة قد سقطت فإن هذا لم يكن ليعني بأي حال تهديدا وجوديا تتعرض له الولايات المتحدة».
العدد 2681 - الخميس 07 يناير 2010م الموافق 21 محرم 1431هـ