العدد 2681 - الخميس 07 يناير 2010م الموافق 21 محرم 1431هـ

لماذا استشهد الإمام الحسين؟ (2)

المرحوم مولانا أبو الأعلى المودودي - مفكر إسلامي 

07 يناير 2010

كان هدف الدولة الإسلامية نشر المحاسن التي يحبها الله، والقضاء على المساوئ التي يبغضها الله، لكن بعد اختيار طريق الملوكية البشرية لم يعد للحكومة هدف سوى فتح البلدان وإخضاع الشعوب وتحصيل الخراج والعيش في رفاهية وترف. ولم يعلِ الملوك كلمة الله إلا في القليل، وانتشر على أيديهم وأيدي أمرائهم وحكامهم قليل من الخير وكثير من المساوئ، وغالبا ما تعرض عباد الله الذين عملوا على نشر الخير، ومنع الشر والفساد، ونشر الدين، وتحقيق وتدوين العلوم الإسلامية لغضب الحكام لا لعونهم ومساعدتهم، وظلوا يؤدون واجبهم رغم مقاومة الحكام، كما ظلت آثار سياسات وأساليب عيش الحكام ورجال حكوماتهم تدفع المجتمع - رغم جهود هؤلاء العلماء - إلى الانحطاط الأخلاقي الدائم حتى لم يتورع الحكام عن وضع العراقيل في سبيل نشر الإسلام حفاظا على مصالحهم، و كان أسوأ مثال له ما حدث في حكومة بني أمية من فرض الجزية على من دخل في الإسلام من غير المسلمين.

لقد كانت روح الدولة الإسلامية روح التقوى وخشية الله التي كان رئيس الدولة نفسه أكبر نموذج لها فكان موظفو الحكومة والقضاة والقادة العسكريون جميعا مفعمين بهذه الروح ثم كانوا - بدورهم - يمثلون المجتمع كله بهذه الروح. لكن حكومات المسلمين وحكامهم ساروا في طريق الملوكية حتى اختاروا طراز عيش كسرى وقيصر فغلب الظلم والجور على العدل وحلّ الفسق والفجور محلّ التقوى وبدأ عصر الخلاعة والمجون وخلت سيرة الحكام وسلوكهم من التمييز بين الحلال والحرام، وانقطعت صلة السياسة بالأخلاق. وبدلا من أن يخافوا هم أنفسهم من الله راحوا يخيفون عباد الله من أنفسهم، وبدلا من إيقاظ ضمائر الناس طفقوا يشترون ضمائر الناس بعطاياهم وأموالهم.

المبادئ الأساسية للدستور الإسلامي

كان ذلك هو التغير الذي لحق بالروح والمزاج والهدف والنظرية. وإلى جانبه حدث تغير آخر مثله في المبادئ الأساسية للدستور الإسلامي. فلقد كان هناك سبعة مبادئ هي أهم مبادئ الدستور الإسلامي، غيروا كلا منها وقلبوه رأسا على عقب.

1 - الانتخاب الحر:

كان حجر الزاوية في الدستور الإسلامي أن تقوم الحكومة برضا الناس الحر، وألا يسعى أحد للحصول على السلطة بجهده ونفسه بل يختار الناس بمشورتهم أفضل رجل ويوكلون إليه السلطة وألا تكون البيعة نتيجة السلطة بل سببا لها وموجبا، وألا يكون للمرء أي دخل من محاولة أو مؤامرة في حصول البيعة له، وأن يكون الناس أحرارا في أن يبايعوا أولا لا يبايعوا، وألا يصل المرء إلى السلطة إلا إذ بويع، فإذا طرح الناس عنه ثقتهم لم يتمسك بالسلطة والحكم. وقد جاء الخلفاء الراشدون جميعا إلى السلطة عن هذا الطريق وفق هذه القاعدة لكن وضع معاوية صار مشكوكا فيه ومن ثم لم يعد من الخلفاء الراشدين مع كونه صحابيا. حتى كانت توليته يزيد العهد الخطوة الانعكاسية التي قلبت هذه القاعدة الدستورية رأسا على عقب، إذ بها بدأت سلسلة الممالك العائلية الوراثية التي لم يقدر للمسلمين من وقتها حتى اليوم العودة إلى الخلافة الانتخابية. فراح الحكام يصلون إلى السلطة - لا برضا الناس الحر بل بالقوة والجبر. وبدلا من حصولهم على السلطة بالبيعة أخذوا يحصلون على البيعة بالسلطة والقوة. ولم يعد الناس أحرارا في أن يبايعوا أولا لا يبايعوا ولم يعد انعقاد البيعة شرطا للبقاء في السلطة إذ - أولا - لم تبقَ للناس حرية في ألا يبايعوا من جاءت بيده السلطة. ثم حتى إذا لم يبايعوا، فإن من جاءت في يده السلطة لم يتزحزح عنها. وحين ارتكب الإمام مالك جريمة الإفتاء ببطلان هذه البيعة الجبرية في زمن المنصور العباسي جلدوه وخلعوا كتفه!

2 - نظام الشورى:

وكانت أهم قواعد هذا الدستور بعد ذلك أن الحكم بالشورى، فيستشار من وثق الناس بعلمهم وتقواهم وسداد رأيهم - فالذين كانوا أعضاء الشورى أيام الخلفاء الراشدين - مع أنهم لم ينتخبوا انتخاباَ حرا، وكانوا باصطلاح عصرنا معينين لا منتخبين - إلا أن الخلفاء الراشدين لم يعينوهم لكونهم ممن يؤيدونهم في كل شيء أو يعمل على خدمة مصالحهم بل اختاروا بمنتهى الإخلاص والإيثار أفضل عناصر المجتمع ممن لم يكونوا يتوقعون منهم إلا قول الحق وممن يؤمل منهم أن يشيروا في كل أمر بالرأي الأمين الصحيح وفق علمهم وضميرهم ولا يتوقع منهم أحد أن يتركوا الحكومة تسير في طريق خطأ، أو تنحرف عن مسارها. ولو كانت طريقة الانتخابات العامة الرائجة في بلادنا اليوم رائجة آنذاك لاختار المسلمون هؤلاء بعينهم ووثقوا بهم. لكن ما إن بدأ العهد الملكي حتى تغير مبدأ الشورى وراح الملوك يحكمون بالاستبداد والجبر، فصار الأمراء ورجال البلاط المتملقون وحكام الأقاليم وقادة الجيش أعضاء مجلس الشورى، وأصبح مستشاروهم ممن إذا استطلع رأي الناس بشأنهم لحصلوا على آلاف الأصوات التي تلعنهم مقابل كل صوت واحد يؤديهم. وعلى العكس من ذلك كان الذين يعرفون الحق ويقولون الحق وأهل العلم والتقوى ممن كان الشعب يثق بهم غير أهل للثقة في أعين الملوك والسلاطين بل على العكس مقصرين أو على الأقل مشكوكا فيهم.

3 - حرية التعبير عن الرأي:

كان المبدأ الثالث لهذا الدستور أن للناس الحرية الكاملة في التعبير عن رأيهم إذ كان الإسلام قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا على كل مسلم وليس حقا من حقوقه فحسب. وكان سير المجتمع المسلم ودولته على الطريق الصحيح يعتمد على أن تكون ضمائر الناس وألسنتهم حرة، وأن يقدروا على الاعتراض على كل خطأ يخطئه أكبر رأس في المجتمع، ويقولوا الحق علانية. ولم يكن هذا الحق مكفولا للناس فقط أثناء الخلافة الراشدة بل كان الخلفاء الراشدون يرونه فرضا عليهم، فكانوا يشجعون الناس على ممارسته.

فلم يكن أعضاء مجالس شوراهم وحدهم بل جميع أفراد الشعب أحرارا في أن يتكلّموا ويعترضوا ويحاسبوا الخليفة نفسه، وهو ما كان الناس يمدحون عليه ولا يضطهدون أو يهددون. ولم تكن هذه الحرية منه من جانب الحكام يتصدّقون بها على الشعب بل حقا دستوريا أعطاه الاسلام للشعب. وكان الخلفاء الراشدون يعتبرون احترامه فرضا عليهم. وكان استعماله من أجل الخير فرضه الله على كل مسلم. وكان الاحتفاظ بجو الدولة والمجتمع مناسبا لتأديته جزءا هاما من مهام الخلافة في نظرهم. لكن ما إن بدأ دور الملوكية حتى قفلت الضمائر بإقفال غلاظ وكممت الأفواه، وأصبحت القاعدة! إنكم أن أردتم أن تفتحوا أفواهكم فبالمديح والثناء وإلا فاسكتوا! وإن كانت ضمائركم حية إلى درجة لا تستطيع معها الامتناع عن قول الحق فاستعدوا للسجن والقتل! فراحت السياسية تجعل المسلمين - شيئا فشيئا - جبناء خانعين عبيدا للمصالح، فقل فيهم من يجرؤون على قول الحق والصدق، وارتفع ثمن التملق والمداهنة بينما انخفضت قيمة الحق والاستقامة والصدق. فابتعد الأكفاء المخلصون الأمناء الأحرار عن الحكومة، وخلت قلوب الناس من أي رغبة أو عاطفة للإبقاء على أية حكومة من حكومات الأسر الملكية، فإذا أزيحت إحداها بأختها لم يتحركوا قطّ للدفاع عنها، وإذا سقطت إحداهن حفروا لها هاوية عميقة ورموا بها فيها. فأخذت الحكومات تجيء وتذهب والناس لا يزيدون عن كونهم متفرجين لا يهمهم شيء في منظر المجيء والذهاب أو الطلوع والنزول.

4 - المسئولية أمام الله والناس:

والمبدأ الرابع الذي يتصل بالمبدأ الثالث اتصالا وثيقا هو مسئولية الخليفة وحكومته أمام الله والناس. فأما بالنسبة للمسئولية أمام الله فإن الإحساس الشديد بها حرم الخلفاء الراشدين النوم ليلا والراحة نهارا. وأما مسئوليتهم أمام الخلق فقد كانوا يعتبرون أنفسهم مسئولين أمام الشعب في كل وقت. فلم يكن مبدأ حكومتهم في هذا أن يستجوبوا في مجلس شوراهم (البرلمان) فحسب عن طريق تقديم مذكرة استجواب بل كانوا يقابلون الناس وجها لوجه خمس مرات في اليوم أثناء الصلاة، وكانوا يتحدثون إلى الناس ويسمعونهم خلال اجتماع صلاة الجمعة. وكانوا يمشون بين الشعب في الأسواق كل يوم بغير حرس خاص أو من يفسح الطريق لهم، وكانت أبواب قصر رئاستهم (أي بيوتهم المتواضعة) مفتوحة لكل فرد، وكان كل إنسان يستطيع في كل هذه المناسبات أن يقابلهم ويسألهم ويستجوبهم. فلم تكن مساءلتهم محدودة بل دائمة ممكنة في كل وقت، ولم تكن مساءلة عن طريق النواب وأعضاء البرلمان بل من قبل الشعب مباشرة لأنهم جاءوا إلى الحكم بإرادة الشعب. وكان رضا الشعب وحده هو الشيء الذي قد يعزلهم في أي وقت ويأتي بمن يريد غيرهم. لذلك لم يشعروا بخوف ولا خطر في مواجهة الناس والالتقاء بهم، كما لم يكن الحرمان من السلطة خطرا في نظرهم يفكرون في تفاديه قط. فما إن حلّ عصر الملوكية حتى انتهى تصور الحكومة المسئولة. فأما فكرة المساءلة أمام الله فربما بقيت على الألسنة فقط لكن لم تظهر آثارها في السلوك العملي. وأما المساءلة أمام الشعب فمن هذا البطل الذي كان يستطيع مساءلتهم؟ لقد كان الخليفة آنذاك غازي قومه وفاتحهم فأي غازٍ يسأل أمام المقهورين؟ لقد جاء إلى السلطة بالقوة وكان شعاره «من كان عنده القوة فلينتزع منا السلطة» فكيف يمكن أن يواجه أمثال هؤلاء شعوبهم؟ وأنى كان للعامة أن تقترب منهم؟ حتى الصلاة كانوا إذا أدّوها ففي مساجد قصورهم الآمنة لا مع الرعاع والعامة. فإن صلوا خارج قصورهم فوسط جمع غفير من حرسهم الخاص الموثوق بهم غاية الثقة. فإذا خرجت مواكبهم أحاطت بها الفرق المسلحة من كل جانب تفسح لهم الطريق.

العدد 2681 - الخميس 07 يناير 2010م الموافق 21 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً