من قال إن الطبيعة لا تشعر بمن حولها، ولا تشاركهم مناسباتهم؟ فالحقيقة إن الطبيعة تعشق الإنسان وتشعر بأفراحه وتبتهج لابتهاجه، وفي الفترة من 14 إلى 16 يناير/ كانون الثاني الماضي، في إمارة الفجيرة تحديدا، احتفلت الطبيعة احتفاء بمهرجان فريد من نوعه، جديد في طرحه، أطلقته هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، حمل اسم «ملتقى الفجيرة الأول للربابة»، فانتثر المطر، وهبّت نسائم الجبال العليلة مرحبة بضيوف ملتقاها ومحتفية بآلة الحزن المعتّق المرافقة لهم، والقادمة من جميع أرجاء الوطن العربي، كما أشرقت شمس رعاية افتتاح هذا الملتقى من مُحيّا ولي عهد الفجيرة سمو الشيخ بن حمد بن محمد الشرقي، وحضور الرئيس الأعلى لهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام الشيخ راشد بن حمد الشرقي، في ظل تنظيم متميز من قبل لجنة مختصة ترأسها رئيس الهيئة محمد الضنحاني، ورئيس بلدية الفجيرة محمد الأفخم، وتولى التنسيق العام لها الشاعر الأردني سالمي الباسلي، وشارك في التنظيم لها أعضاء اللجنة المنظمة الشاعر الإماراتي خالد الضنحاني وإبراهيم علان، في ثلاثة أيام حافلة بموسيقى الفكر، المنبعثة من الأوراق البحثية التي حملت كل منها في ثناياها عبق المكان الذي جاءت منه، حيث انبعث عبق تاريخ «الربابة» من الأردن من طيات الورقة البحثية التي قدمها عميد كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية عبدالحميد حمام، التي قالت الكثير عن تاريخ هذه الآلة الموشومة بأحزان عازفها المحاكية لأحزان الآخرين، ذات الأوتار المصنوعة من «سبيب» الخيل وهو شعر ذيل الخيل، المحمية بجلد الحيوانات التي يستأنسها الإنسان وتقوم على خدمته. ومن مصر تزايد وقع الإحساس بتاريخ «الربابة»، التي كان للمرأة الدور الرئيسي في اختراعها حينما قالت زوجة ذات غضب لزوجها: «أقسم بأنني لن أعود حتى ينطق الحجر ويتحدث العود».
وفي مصر سمّوها «الجوزة» أو «آلة الرباب المصرية»، لأنها تصنع من بقايا ثمرة جوز الهند وتغلف فتحتها الرئيسية بجلد السمك، فقالت ورقة حسام عبدالهادي البحثية التي حملت عنوان: «الربابة .. المفهوم والتاريخ»، الكثير عن تاريخ هذه الآلة الساحرة، فكان اليوم الأول حافلا بحلقتين حواريتين أعقب الورقتين البحثيتين، تولى إدارة أحدهما الإعلامي والشاعر زاهي وهبة، فيما تولى إدارة الثاني الإعلامي سامي الباسلي، على التوالي.
لم يكن هذا فقط مجال البحث في «الربابة»، بل كانت ومازالت إفريقيا حُبلى بهذا الفن الشعبي المنتقل عبر الموروث العريق برشاقة متناهية، ففي اليوم التالي كان للسودان حضور فاعل في بيان موقع «الربابة» ضمن منظومة الموسيقى العربية، في ورقة بحثية متميزة قدمها الفنان عبدالقادر سالم عبدالقادر، حيث عرّف الحضور على «أم كِيكّي» وهي آلة «الربابة» في السودان وأوضح دورها المهم في مرافقة «الهدّاي» أو الشاعر السوداني الذي كان مهيب الجانب في مجتمعه ويُخشى من سيف مفرداته ومن سهام موسيقاه الصادرة عن مرافقته المكونة من طاسة مغطاة بجلد الغزال والمزينة بوترٍ يتحدث بلسان شاعره. ثم أخيرا كان الحضور لـ «إمزاد» وهي «الربابة» الليبية، المصنوعة من هيكل ثمرة اليقطين والمغطاة بجلد الغزال، وتشترك كل أنواع «الربابة» في كون الوتر الذي يستخدم للعزف، هو من «سبيب» الخيل أي من شعر ذيلها، حيث لـ «الربابة» الليبية عند قبائل الطوارق تاريخ قديم جدا ثابت في الآثار المتناثرة في الصحراء، فقدم الباحث أمود أحمد عصمان، ورقة قالت الكثير بمرافقة عزف العازفتين تينا سولي وديمته هماكي، في حوار صباحي طويل أدارته الشاعرة والإعلامية البحرينية هنادي الجودر.
كانت هذه صباحات «ملتقى الفجيرة الأول للربابة»، أما مساءاته فكانت معطرة بالشعر، وبصوت «الربابة» الشجي الحزين المفرح في الوقت ذاته، فشارك بالعزف في ليلتي الملتقى عازفون من مناطق مختلفة، فمن الإمارات ترنم العازف علي الكيبالي بلهجته الإماراتية المحببة إلى القلوب، ومن الكويت تغنّى الشاعر والإعلامي والعازف مهلي الحشاش، ومن سورية وبلهجة يطغى عليها النغم العراقي ترنم العازف خلف العفات السرحان، ومن المملكة الأردنية الهاشمية تفرّد بالعزف الأصيل العازف محمد شتيوي الخريشة، ومن السودان كان الحضور الجميل لـ «الهدّاي» أحمد عبدالله عثمان، أو كما يُعرف كشاعر في بيئته بـ «ولد الحاجه»، ومن قطر تميز أيضا الشاعر وعازف الربابة جابر بن راشد المري، ومن ليبيا التي اختلفت عن جميع الدول العربية في كون عزف «الربابة» حكرا على النساء، تغنت العازفتان تينا محمد سولي وديمته هماكي فعزفتا معا وغنتا بطريقة مختلفة، ومن السعودية تألق ثلاثة شعراء وعازفي «ربابة» عبدالرحمن الظفيري، رواف العنزي، والعازف الحريثي، أما من جمهورية مصر العربية فقد أدهش حضور الملتقى عزف العازف المصري العم سلامة متولي، الذي كان لموسيقى أغاني سيدة الطرب العربي أم كلثوم نصيب الأسد في معزوفاته.
وتزيّن مساء الملتقى بعرض رائع لعمل فني متميز جدا قامت هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بإنتاجه، وهو عبارة عن فيلم يحكي قصة «الربابة»، قام بتأليفه الشاعر سامي الباسلي، وأخرجه كعمل فني المخرج المتألق إياد الخزوز، أما طاقم التمثيل فكان من النجم المتألق ياسر المصري، أو «نمر بن عدوان» كما يعرفه الكثيرون في الخليج، والفنانة نادرة عمران والفنانة نجلاء سحويل وجميعهم من المملكة الأردنية الهاشمية. «ملتقى الفجيرة الأول للربابة»، كان خطوة البداية نحو الحفاظ على «الربابة» كموروث شعبي ثمين، بداية تستحق الإشادة، حظيت بحسن التنظيم، وحسن انتقاء العازفين، فتألق فيها الموروث الشعبي، وسجّلت للفجيرة سبقا في رافد مهم من روافد الأدب الشعبي.
العدد 2343 - الثلثاء 03 فبراير 2009م الموافق 07 صفر 1430هـ