قال نائب السفير السوداني في البحرين المستشار عبدالرحيم سرالختم في حوار مع «الوسط» إن التصعيد الحالي من جانب المحكمة الجنائية الدولية لتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير بشأن مزاعم بارتكاب جرائم حرب في دارفور تقف وراءه دوافع سياسية.
واتهم الدول الكبرى بالسعي من خلال إصدار مذكرة التوقيف من قبل المحكمة الجنائية إلى الحيلولة دون ترشح البشير إلى الانتخابات الرئاسية التي ستنظم في وقت لاحق من العام الجاري.
على صعيد متصل، قال مسئولون في حركة «العدل والمساواة» المتمردة في دارفور أمس إنهم يستعدون لمحادثات مع الحكومة السودانية في قطر غدا (الإثنين) في أول لقاء رسمي بين الجانبين منذ 2007 ما قد يمهد الطريق أمام مفاوضات سلام كاملة.
ويأتي الاجتماع غداة اشتباك الحركة المتمردة مع الجيش السوداني في منطقة مهاجرية إذ استعادت القوات الحكومية المنطقة وتقوم الآن بعمليات تمشيط واسعة جنوب دارفور.
الوسط - عزوز مقدم
السودان الشقيق، قطر غني عن التعريف، فهو بحجم قارة. في الماضي كان يطلق على السودان كل المناطق الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى وتمتد إلى النيجر والسنغال وموريتانيا. بعد ترسيم الحدود الحديثة من قبل المستعمر، اقتصر الاسم على السودان الحالي (2.5 مليون كيلومتر مربع على الأقل) في قلب إفريقيا، يزخر بكل مقومات الدولة العظمى ولكن تتناهشه مشكلات مفتعلة يشيب لها الولدان. فالسودان مستهدف من قبل المشروع العالمي لتقسيم الوطن العربي والدليل على ذلك صدور عشرات القرارات من قبل مجلس الأمن الدولي ضده في فترة وجيزة. بمناسبة وصول السفير السوداني الجديد إلى البحرين، زار مكاتب «الوسط»، نائب السفير السوداني في المنامة، المستشار عبدالرحيم سر الختم عمر، فكانت تلك سانحة لإجراء حوار شيق معه كشف فيه عن ملابسات أزمة دارفور واتهامات المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب في الإقليم، هذا بالإضافة إلى تطرق المستشار إلى جوانب الاستثمار في السودان، فإلى تفاصيل الحوار:
سعادة نائب السفير السوداني، في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى السودان ليحل الحاجة الغذائية للمنطقة، نجد هناك تصعيد من مدعي المحكمة الجنائية الدولية وحديث عن عمليات عسكرية في إقليم دارفور فما وجهة نظركم فيما يجري؟.
- في الواقع السودان ليس عضوا في المحكمة الجنائية الدولية ولم يوقع على ميثاقها وبالتالي لا تنعقد لها ولاية عليه، وحتى الولايات المتحدة لم توقع على ميثاق المحكمة، وعلى رغم تصريحات السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس قبل يومين بأن المحكمة الجنائية أصبحت شرعية دولية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم توقع واشنطن عليها، فهناك حديث عن تشكيل قوة عسكرية أميركية لتخليص الجنود الأميركيين المتهمين بجرائم حرب الذين يمكن أن تلاحقهم المحكمة أو يقعوا في سطوتها.
السودان تعاون مع الأمم المتحدة في عملية حفظ السلام ولكن المنظمة الدولية لم تف بجميع التزاماتها تجاه عملية السلام في دارفور،فهي لم تكمل عدد القوات المتفق عليها مع حكومة السودان في الإقليم حتى الآن، وتعوز هذه القوات احتياجات لوجستية. ولكن الآن 97 في المئة من مناطق دارفور آمنة أي منطقة تفوق في حجمها مساحة فرنسا، العمليات العسكرية توجد في مناطق حدودية نائية.
هل هناك فعلا تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان أو لا يوجد شيء من هذا القبيل أصلا والمسألة جميعها مفبركة؟
- إذا قلنا لا توجد انتهاكات فهذا أمر غير منطقي، ولكن ما أسباب وطبيعة هذه الانتهاكات، دارفور إقليم يتكون من ثلاث ولايات،ولاية شمال دارفور وعاصمتها الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها نيالا وغرب دارفور وعاصمتها الجنينة، الرئيس البشير اعتاد على زيارة هذه الولايات الثلاث وكان آخر زيارة له قبل أسبوعين تقريبا وعقد لقاءات مفتوحة على الهواء الطلق مع الأهالي في المدن الثلاث. لايوجد رئيس في العالم يعقد لقاءات مفتوحة لأكثر من مليون شخص إذا كان هذا الرئيس ارتكب إبادة جماعية في هذه المنطقة. إذن هنا عامل يدحض الافتراءات الدولية فإذا كانت الحكومة السودانية استطاعت حشد ثلاثة ملايين نسمة في ثلاث مدن في دارفور للقاء الرئيس وعدد سكان السودان نحو 33 مليون نسمة، نستطيع القول إن الحكومة لديها شعبية كبيرة. فالجماهير التي استقبلت البشير هي نصف سكان الإقليم.
وهناك عامل آخر يدحض اتهامات مدعي المحكمة الجنائية لويس اوكامبو، وهو علاقة الرئيس السوداني بشعبه عموما، فالرئيس يتجول في الطرقات، ويشارك في كل المناسبات، ويذهب إلى المسجد في صلاة الصبح مثلا.
ولكن ما ذلك الهجوم المباغت الذي وقع على العاصمة في مايو/ أيار الماضي، هل القائمون به من دارفور؟
- دارفور إقليم يتكون من مجتمع قبلي، هناك انتماء قوي للقبيلة قد يفوق أحيانا الانتماء القومي، هناك انفلاتات أمنية قبلية، ولكن الهجوم على العاصمة كان بدعم خارجي.
هناك شكوى من هجمات على القوات الدولية لحفظ السلام في دارفور؟
- عندما زار مندوبو الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي الخرطوم والتقوا البشير في وقت سابق من العام الماضي أخبرهم أن القوات الإفريقية التي تخرج من ثكناتها وتتحرك من دون علم الحكومة في مهمات ومن ثم تتعرض لهجمات فإن الحكومة السودانية غير مسئولة عن تلك الهجمات. فكل المهمات التي تخرج فيها قوات حفظ السلام وتخطر فيها الحكومة السودانية يتم تأمينها من قبل الجيش السوداني والشرطة وبالتالي لا تقع ضدها هجمات.
إن الوضع في دارفور ليس كما يصوره الإعلام الغربي، وحتى المدافعون عن حقوق الإنسان العرب والذين يتحدثون عن إبادة جماعية في دارفور هم لا يعلمون شيئا عن الإقليم ولم يزوروه بتاتا.
لا تفرقة عنصرية هناك بين العرب والأفارقة كما يدعي الإعلام الغربي. فعندما زار الإقليم وزير الخارجية الأسبق كولن باول تساءل أين الأفارقة وأين العرب في دارفور؟ فلم يستطيع التفريق بينهم. وأضرب لك مثالا، أنا من شمال السودان لا أستطيع أن اثبت مئة في المئة أنني عربي لابد من عنصر إفريقي، لأن هناك انصهار وتعايش بين القبائل عبر آلاف السنين.
وكما قال المندوب الصيني لدى السودان فإن أزمة دارفور هي مشكلة غياب للتنمية ونزاعات قبلية. على سبيل المثال وقعت من يومين اشتباكات في جنوب السودان بين قبائل الشلك والدينكا وسقط العشرات فأين العامل أو التورط الحكومي في مثل هذه النزاعات.
مشكلة دارفور سيّست كثيرا، فإذا كانت الأزمة سببها غياب التنمية فإن أفقر مناطق السودان هي في الشمال «المتهم بالاستحواذ على السلطات»، لم يحظ شمال السودان بالموازنات التي خصصت لكل من جنوب وغرب السودان. شمال البلاد أكثر إقليم يحظى بأقل موازنة للتنمية، أما أكثر المناطق تخلفا فتوجد في شرق السودان، بمعنى أنه لا يوجد تركيز متعمد للتنمية على بعض المناطق دون أخرى ولكن جهود التنمية مستمرة، وبعض المشكلات موروثة من حكومات سابقة.
ما هو موقف الجنوبيين شركاء البشير في الحكم من اتهامات المحكمة الجنائية؟
- مواقفهم متذبذبة وفقا لمشكلاتهم الداخلية فأحيانا يقولون إنهم ضد الاتهامات، وعندما تقع مشكلة لديهم في الجنوب يتهمون حزب المؤتمر الوطني (شريكهم الشمالي في الحكم) بالتورط فيها ومن ثم يقولون نحن مع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
ولكن ما هو موقفهم الرسمي الذي يعبر عنه نائب الرئيس سلفا كير؟
- سلفا كير يقول إنه ضد توقيف البشير ولكن هو لديه أيضا مشكلات داخلية كرئيس لحكومة الجنوب والحركة الشعبية ولذلك نجده يستخدمها (المحكمة) كوسيلة ضغط أحيانا على الحكومة المركزية.
بالعودة إلى العمليات الحربية يقال إن هناك قتالا وسيطرة للمتمردين على منطقة في دارفور فما الحاصل؟
- نعم هي منطقة مهاجرية وهي حدودية كانت فيها قوات تابعة لمساعد الرئيس مني مناوي، وبعلم السلطات السودانية لأن مناوي موقع على اتفاق أبوجا للسلام، دخلت قوات من حركة «العدل والمساواة» المتمردة إلى المنطقة بدعم من تشاد، ودارت معارك بين قوات مناوي وقوات «العدل والمساواة» إذ سيطرت الأخيرة عليها.
هل مازال هناك دعم تشادي للمتمردين على رغم كل الحديث عن تطبيع وعودة العلاقات بين البلدين لطبيعتها؟
- هناك دعم تشادي مستمر للمتمردين، ولكننا نستطيع التحدث للتشاديين دبلوماسيا.
هل ترى أن هناك تقصيرا من الإخوة العرب تجاه التصدي لمشكلات السودان المختلفة وخصوصا في قضية دارفور؟
- في الواقع كل الدول العربية الشقيقة عبرت عن دعمها للسودان، فموقف مصر مشرف للغاية وكذلك السعودية وبقية الدول الخليجية، باعتبار أن الاتهامات سياسية وليست جنائية تجاه السودان. كل الدول العربية عبرت عن تضامنها معنا. فإذا استطاعت المحكمة الجنائية النيل من البشير فلن تتوقف عند السودان، وسيأتي الباقون تباعا.
فلنتحول قليلا عن أزمة دارفور، إذ نسمع أحيانا أن هناك ممارسات للرق في السودان فهل هذا صحيح؟
- ربما الحديث هنا عن تاريخ غابر، في قرون سابقة وقعت بعض الممارسات، أما في التاريخ الحديث والآن تحديدا لا يوجد رق في السودان بمعنى أناس يباعون ويشترون. هناك منظمات أجنبية تفبرك بعض الوقائع فهي تأتي بأطفال وتصورهم وتمثلهم بأنهم بيعوا أو تم شراؤهم في بعض المناطق السودانية التي تشهد نزاعات من هذه المنظمات، منظمة التضامن المسيحي التي تديرها البارونا كوكس، والتي طردت من جلسة لمنظمة حقوق الإنسان عندما أرادت أن تتحدث عن الرق في السودان. بعض هذه المنظمات اعترفت بفبركتها لوقائع أثناء حرب الجنوب.
هناك أخطاء أثناء حرب الجنوب ولكن استطاع السودان إبرام اتفاق للسلام لأطول حرب في تاريخ إفريقيا استمرت نحو 21 عاما.
هل سيجرى استفتاء على مصير جنوب السو
العدد 2347 - السبت 07 فبراير 2009م الموافق 11 صفر 1430هـ