العدد 506 - السبت 24 يناير 2004م الموافق 01 ذي الحجة 1424هـ

نفط الخليج يحافظ على مكانته بغزارة الإنتاج والجودة والأمن النسبي

على رغم أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة، وخصوصا منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، إلى أن تتحرر من النفط الأجنبي أو تقليل الاعتماد عليه فإن لن يكون بوسعها الاستغناء عن النفط العربي في المدى المنظور ليس لجودته العالية ولا لغزارة إنتاجه وانخفاض كلفة استخراجه فحسب بل أيضا لأنه يتمتع بأمن نسبي مقارنة بنفط بحر قزوين أو غرب إفريقيا.

فمع أن الرئيس الأميركي جورج بوش قدم مشروعا بهذا الخصوص عقب حوادث 11 سبتمبر مباشرة فإن واشنطن لم تصل حتى الآن إلى خطة كاملة تؤكد إمكان الوصول إلى هذا التحرر، بما يعني تقليصها لاستيراد نحو 60 في المئة من احتياجاتها النفطية من الخارج بواقع 12 مليون برميل يوميا، في حين لا يزيد إنتاجها المحلي على 8 ملايين برميل يوميا، طبقا لإحصاءات العام 2003.

وقد عادت بعض شركات النفط الأميركية إلى الحديث مجددا عن استعدادها لاستثمار مليارات الدولارات في حقول النفط والغاز الطبيعي الروسية الشمالية، في ظل خطة أميركية ترمي إلى تقليل اعتمادها على نفط الخليج، وخصوصا مع عدم استتباب الأوضاع الأمنية بالعراق.

ويعكس رئيس شركة التمويل النفطي الأميركية روبنسون ويست هذا الوضع بجلاء حين يقول: «لا يمكننا الاستغناء عن النفط السعودي... هذا خيار لا يمكن تحديه... ولا يمكن لسياستنا أن تسعى إلى استبدال المملكة بروسيا... المملكة هي الضامن الأخير والبنك المركزي لسوق النفط الذي يوفر السيولة والتأمين في الأوقات العصيبة، ولا يمكن لروسيا أن تضطلع بهذا الدور لأسباب عدة».

وأضاف أن العالم سيحتاج إلى أكثر مما يلبيه النفط الروسي ونفط غرب إفريقيا وبحر قزوين وأميركا اللاتينية وأوروبا... إنها لحقيقة مؤلمة للأميركيين أن الشرق الأوسط عموما، والمملكة العربية السعودية خصوصا، كانا وسيظلان دعامة أسواق النفط طالما ظل العالم الصناعي يعتمد على مورد الطاقة هذا.

ويؤكد القائم بأعمال نائب مساعد وزير الطاقة جون برودمان، الأمر نفسه حين يقول: «على رغم أن بلادي تنظر إلى صادرات إفريقيا من النفط الخام على أنها وسيلة أساسية لتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط فإن القارة السمراء لن تحل أبدا محل الشرق الأوسط بصورة كاملة».

وتحوي منطقة الخليج العربي في جوفها أكثر من نصف الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط الخام، ويزداد الاحتياطي النفطي العربي يوما إثر يوم... فقد ارتفع من 50 مليار برميل العام 1950 إلى 120 مليار برميل العام 1960 ثم تضاعف إلى 250 مليار العام 1970 وزاد إلى 370 مليار العام 1980 مقابل 650 مليار برميل العام 1990 ثم بلغ 700 مليار العام 1993 وأكثر من 800 مليار العام 2003.

وهناك أربع دول عربية يتجاوز الاحتياطي النفطي لكل منها 100 مليار برميل أو يقترب منها وهي المملكة العربية السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت.

ويصل الاحتياطي النفطي السعودي بمفرده إلى نحو 277 مليار برميل ليساوي بذلك أكثر من ثلاثة أمثال الاحتياطي النفطي لدى الولايات المتحدة والمكسيك مجتمعين، وأكثر من أربعة أمثال احتياطي فنزويلا إحدى أهم البلدان المصدرة للنفط بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وأيضا أكثر من أربعة أمثال الاحتياطي النفطي لروسيا ودول أوروبا الشرقية معا.

ولفت الانتباه بشدة طيلة العقود الماضية إلى أن أية زيادة مهمة في الطلب العالمي على النفط يلبيها النفط العربي... فحين زاد الطلب العالمي في الفترة من 1973 حتى 1979 بمقدار 7,6 ملايين برميل يوميا فإن نصيب النفط العربي من سد هذا الطلب كان نحو 4 ملايين برميل يوميا... وحين زاد الطلب مرة أخرى في الفترة من 1986 إلى 1993 بنحو 4,8 ملايين برميل يوميا أمّن العرب 4,4 ملايين برميل لسده.

وقاد هذا الوضع إلى اعتماد عالمي ملموس على النفط العربي كمصدر مهم للطاقة... والدليل على ذلك أنه حين انقطعت الإمدادات النفطية العراقية جراء الغزو العراقي للكويت ونشوب حرب الخليج الثانية لجأت الدول الكبرى المستهلكة للطاقة إلى دول عربية خليجية لتعويض النقص الذي طرأ على حجم المعروض النفطي.

وتمتلك الدول العربية نحو 80 في المئة من بين صادرات الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مجتمعة... أما الدول الإسلامية أي بإضافة إندونيسيا فهي التي تتحكم في غالبية إنتاج المنظمة، لا ينقصها في هذا إلا ما تنتجه فنزويلا ونيجيريا، التي يشكل المسلمون جزءا مهما من سكانها.

وإذا كانت الدول المنتجة للنفط خارج أوبك تنتج كمية من النفط أكبر من تلك التي تنتجها دول المنظمة فإن الأخيرة تصدر الجزء الأكبر من إنتاجها ولا تبقي لاستهلاكها المحلي إلا كميات قليلة مقارنة بتلك التي تدفع بها إلى سوق النفط الدولية، وذلك على العكس من الدول الأولى التي تستهلك أكبرها كافة ما تنتجه من نفط مثل الولايات المتحدة أو جزءا كبيرا منه مثل روسيا.

فضلا عن ذلك فإن بعض هذه الدول تنتمي إلى العالمين العربي والإسلامي، وإن كانت ليست أعضاء في أوبك، مثل مصر وسلطنة عمان والبحرين وبروناي، علاوة على السودان واليمن وسورية، وهي دول بدأت تنتج النفط في السنوات الأخيرة بكميات تتصاعد مع مرور الوقت.

وقد أظهرت دراسات جيولوجية وجود كميات نفطية على الساحل المغربي المواجه للمحيط الأطلسي في كل من المغرب وموريتانيا.

وتزداد أهمية منطقة الخليج العربي بالنظر إلى ما تمتلكه من احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، فيها دولتان هما إيران وقطر تحتلان المركزين الثاني والثالث في هذا المضمار على مستوى العالم أجمع.

كما أن غالبية دول المنطقة تعزز سنة تلو الأخرى حجم احتياطياتها من الغاز الأمر الذي انعكس على نسبة التغير بين العامين 1999 و2003 إذ بلغ 4,6 في المئة في المملكة العربية السعودية و3 في المئة في سلطنة عمان 2,3 في المئة بالنسبة إلى قطر... وحال المقارنة بين العامين 1996 و2003 سنجد أن هذه النسبة ستزيد إلى أكثر من ذلك.

وإذا كانت الاحتياطات العراقية من الغاز تتراجع، فإن هذا قد يكون مرده بالأساس إلى الظروف القاسية التي تعيشها، ومن المتوقع أن يعاود العراق الاهتمام بقطاع الغاز، حال تغير هذه الظروف، ما يعني حصوله على مزيد من الاحتياطات.

وعلى رغم أن بعض الدراسات العربية، وغيرها، تحدثت مبكرا عن نضوب النفط أو انتهاء «السكرة النفطية» ومرحلة «ما بعد النفط»، فإن المؤشرات الواقعية تبرهن على أن النفط سيظل مصدرا مهما للحصول على الطاقة على مدار عقود عدة مقبلة.

فإذا كان هناك حديث مسهب عن موارد الطاقة البديلة فإن هذه البدائل لاتزال ضعيفة لأنها غير اقتصادية وغير فعالة أو أنها غير آمنة وغير ملائمة.

فالفحم الذي يستهلك العالم منه يوميا ما يزيد على ما يمنحه 44 مليون برميل من النفط هو مصدر للطاقة غير فعال، فضلا عن كونه مضرا بالبيئة.

أما الطاقة النووية التي يستهلك العالم منها يوميا ما يزيد على ما يعطيه 7 ملايين برميل نفط، فهي مصدر للطاقة غير آمن، في حين أن البدائل الأخرى للطاقة المتجددة سواء كانت شمسية أم مائية وهوائية، والتي يستهلك العالم منها ما يربو على ما يكافئ 13 مليون برميل نفط يوميا غير اقتصادية وتطويرها يلاقي صعوبات جمة.

ويقول محللون إنه حتى لو تمكن العلماء من تطوير بدائل عدة للطاقة فإن الحاجة إلى النفط ستظل دائما في ضوء نضوب بعض الموارد الطبيعية للطاقة من جهة، وتنامي استهلاك الطاقة من جهة ثانية.

ويبقى النفط - على رغم ما قطع من شوط على طريق إيجاد بدائل طاقة أخرى وتعزز دور الاقتصاد الرقمي و(الاقتصاد الناعم) - مشكلا عصب اقتصاد الدول الصناعية الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة.

وتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على النفط سيزداد خلال السنوات المقبلة، ليرتفع من 77 مليون برميل يوميا العام 2003 إلى 112,8 مليون برميل يوميا العام 2020 أي بزيادة نسبتها 46,5 في المئة تقريبا عما هو عليه الآن.

وفي الوقت ذاته... من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي من 5,2 تريليونات متر مكعب العام 2000 إلى 4,7 تريليونات متر مكعب العام 2020، أي بنسبة زيادة تصل إلى 88 في المئة.

وتوقع ارتفاع الطلب على النفط خلال العقود المقبلة يزيد من أهمية منطقة الخليج العربي مستقبلا، ما يجعل الدول الكبرى معنية تماما بضمان تدفق النفط بانتظام من هذه المنطقة، ما دامت الحاجة إليه ستزداد.

ويفرض ذلك الوضع على الدول المتقدمة حماية النفط الخليجي من أي تهديد... وقد ظهر هذا الأمر تماما حين أقدم الاتحاد السوفياتي السابق على غزو أفغانستان، فوقتها سارعت الولايات المتحدة إلى بناء استراتيجية تحول دون وصول موسكو إلى المياه الدافئة في بحر العرب، معتبرة أن هذا الغزو يشكل محاولة من قبل الاتحاد السوفياتي للاستيلاء على نفط الخليج العربي في النهاية.

وتكرر المشهد، بصورة مغايرة، إثر الاجتياح العراقي للكويت فوقتها تخوفت الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن يطمع العراق في الاستيلاء على الجزء الأكبر من نفط الخليج، ما يعني تحكمه في حركة الأسعار من جهة وتوفيره فرصة لموسكو كي تدس أنفها في صفقات الطاقة من جهة ثانية وذلك في ضوء التقارب المستمر وقتها بين موسكو وبغداد.

ومن ثم قادت الولايات المتحدة التحالف الدولي الذي خاض حرب الخليج الثانية ضد العراق، على رغم أن الأخير تعهد لواشنطن أنه سيضمن تدفق النفط إلى السوق الدولية بما يقيها من حدوث هوة بين الطلب والعرض، وبذلك يحفظ للأسعار توازنها.

علاوة على ذلك تبقى شبكات نقل النفط والغاز في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية هي الأكثر أمنا مقارنة بغيرها من الدول المصدرة للطاقة وخصوصا دول منطقة بحر قزوين.

ويضيف هذا الوضع، عموما، ميزة نسبية إلى نفط الخليج إلى جانب الجودة وثراء المكونات وانخفاض كلفة الإنتاج وغزارة الاحتياطات، ولذلك يمنح، وخصوصا دول مجلس التعاون المصدرة للنفط فرصا متلاحقة لجني أي ارتفاع يطرأ على أسعار النفط في السوق العالمية حال مهاجمة أي آبار أو منشآت نفطية في منطقة بحر قزوين أو غيرها، بالنظر إلى الحساسية المفرطة للسوق حيال مختلف الحوادث السياسية والاقتصادية.

كما أن الانسياق وراء فكرة تمتع النفط الإفريقي بأمان نسبي، يبدو من قبيل التفاؤل المفرط وليس حقيقة واقعية.

فدول غرب إفريقيا تعاني من انقسامات عرقية وقبلية وخلافات دينية ومشكلات حدودية وصراعات داخلية مع الأنظمة الحاكمة، تجعل من الصعب عليها أن تحظى بهذا الأمان المفترض.

وإذا كانت وسائط نقل النفط من هذه المنطقة تستمد أمانها من كونها تنطلق في البحارالمفتوحة ولا تمر عبر مضايق، فإن المنشآت النفطية ذاتها عرضة لهجمات خلال أية اضطرابات تشهدها دول غرب القارة كما أن الإمدادات النفطية ذاتها من الممكن أن تتوقف أثناء وقوع هذه الاضطرابات.

علاوة على إمكان تعرض الأنابيب النفطية المنتشرة في بعض دول القارة لهجمات، مثل ما يحدث في نيجيريا، أو بالنسبة إلى الأنبوب المزمع إنشاؤه لنقل النفط من جنوب تشاد إلى ميناء دوالا الكاميروني الواقع على خليج غينيا، المتصل بالمحيط الأطلسي، والذي يبلغ طوله 1070 كيلومترا، وتصل كلفته إلى 4 مليارات دولار، أو الأنابيب التي تنقل النفط الأنجولي إلى موانئ التصدير على المحيط الأطلسي.

ويبني محللون على ذلك بقولهم: «ما يدور في الغرب حاليا من حديث عن تهميش النفط العربي توطئة للاستغناء عنه مستقبلا، نظرا إلى عدم أمان الإمدادات هو أمر لا يستند إلى الحقيقة أو الواقع، لا من حيث تجربة العالم الصناعي مع الدول العربية أو من حيث أمان الدول المنتجة الجديدة، اللهم إلا إذا كان هناك مخطط مبيت لإدراج منطقة الشرق الأوسط في سلسلة من الحروب والصراعات المستمرة لسنوات طويلة».

وحتى في هذه الحالة فإن الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة ستحاول أن تنأى بالنفط العربي، والخليجي منه على وجه الخصوص، عن دائرة مثل هذه الصراعات من خلال حمايته مباشرة، الأمر الذي يستشف مما طرح بشأن النفط العراقي... إذ أعلنت واشنطن في خضم حديثها المتتابع عن غزو العراق وإزاحة حكم الرئيس صدام حسين أنها ستعمل في البداية على السيطرة على الآبار النفطية العراقية في جنوب العراق وشماله حتى تضمن استمرار ضخ النفط من هناك

العدد 506 - السبت 24 يناير 2004م الموافق 01 ذي الحجة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً