تقوم اليوم الأطراف المدافعة عن مقبرة القرن ومواقع إسلامية مقدسة تعود إلى القرن الثاني عشر لحمايتها من التنديس من قبل السلطات الإسرائيلية وإحدى الشركات الأميركية بعرض قضيتها على الأمم المتحدة، وقد عقدت لهذا الغرض مؤتمرات صحافية في جنيف والقدس ولوس انجليس.
وقدم في جنيف «التماسا لاتخاذ إجراءات عاجلة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها «إسرائيل» بتدنيسها لمقبرة مأمن الله الإسلامية المقدسية في مدينة القدس الشريف».
و تقع هذه المقبرة (المعروفة أيضا باسم ماميلا) في القدس، ويتخذ مركز سيمون فيزنتال، الذي لديه خطط لبناء متحف التسامح على هذا الموقع، من لوس انجليس مقرا له. ويتولى مركز الحقوق الدستورية في نيويورك تمثيل الأحفاد.
ويقول رشيد الخالدي، استاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية بقسم التاريخ في جامعة كولومبيا في نيويورك: «التجاهل الفظ لأبسط القيم الأساسية للتسامح من خلال بناء هذا المتحف في أعرق مقبرة إسلامية في القدس ليس مجرد إهانة من قبل مركز سيمون فيزنتال للكثير من الأسر المقدسية مثل أسرتي، التي دفنت أجدادها هناك منذ عدة قرون، بل وأنه يمثل أيضا انتهاكا صارخا للمسئوليات الأخلاقية والمعنوية والقانونية التي تقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، التي احتجت هي نفسها مرارا وتكرارا على تدنيس المقابر اليهودية القديمة في القدس بين العامين 1948 و1967».
وأدى مشروع البناء إلى نبش مئات من القبور والرفات البشرية والتخلص منها، وبات مكانها غير معروف حاليا. وقد قام مؤخرا فرانك جيري، المهندس المعماري الأصلي لبناء المتحف، بسحب تصاميمه ومشاركته في هذا المشروع.
وهذه هي المرة الأولى المعروفة التي يتخذ فيها أفراد فلسطينيون اجراءات جماعية ضد «إسرائيل» أمام محفل تابع للأمم المتحدة، وتأتي خطوتهم هذه بعد استنفاد جميع سبل الانتصاف في «إسرائيل»، وتحتج الأسر والمنظمات غير الحكومية الموقعة على الالتماس والمحامون بأن تدنيس المقبرة هو انتهاكا للاتفاقات الدولية التي تحمي التراث الثقافي، والحق في التعبير عن المعتقدات الدينية، والحق في الحياة الأسرية.
وتقول كبيرة المستشارين القانونيين في مركز الحقوق الدستورية ماريا لحود، أنه « بعد استنفاذ جميع السبل في «إسرائيل»، لم يبق أمام أسر المدفونين في المقبرة إلا تقديم التماس إلى الأمم المتحدة للحفاظ على حقوقهم الإنسانية الدولية المتمثلة في عدم التعرض للتمييز، وللتعبير عن معتقداتهم الدينية، حماية تراثهم الثقافي وأننا ندعو المجتمع الدولي إلى شجب هذا التدنيس المخزي لمقبرة إسلامية تاريخه في القدس».
وأثارت خطة بناء «مركز الكرامة الإنسانية – متحف التسامح» فوق رفات شخصيات إسلامية مهمة ورجال ونساء وأطفال دفنوا في تلك المقبرة على مدى ألف سنة معارضة واسعة النطاق من المسلمين والمسيحيين واليهود في «إسرائيل» وفلسطين وشتى أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن المحكمة العليا الإسرائيلية قد حكمت لصالح بناء المتحف، وكانت الحكومة الإسرائيلية قد رفضت وقف نبش رفات وتدنيس المقبرة القديمة.
ويلتمس مركز الحقوق الدستورية وغيره من الإطراف من المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد، والمقرر الخاص المعني بالأشكال المعاصرة للعنصرية، والخبيرة المستقلة المعنية بالثقافة، والمفوضة السامية لحقوق الإنسان، والمدير العام لليونسكو، والحكومة السويسرية بصفتها حاضنة الاتفاقيات الدولية الإنسانية أن يتصرفوا، نيابة عن الأسر الفلسطينية التي دفن أجدادها في المقبرة.
وتهيب الأطراف بهذه الهيئات الدولية التحرك بشكل عاجل ولمطالبة الحكومة الإسرائيلية بوقف بناء «مركز الكرامة الإنسانية – متحف التسامح» على المقبرة، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وتوثيق وكشف مكان وجود جميع الرفات البشرية والآثار، واستعادة جميع الرفات وإعادة دفنها في المكان الذي كانت موجودة فيه أصلا، بالتنسيق مع السلطات الإسلامية المعنية وإعلان المقبرة موقعا أثريا يجب الحفاظ عليه وحمايته.
ومقبرة مأمن الله هي مقبرة إسلامية وموقع مقدس منذ القرن السابع عشر حين دفن فيها بعض صحابة النبي محمد(ص) كما دفن في هذه المقبرة على مدى ألف سنة الكثير من الأولياء الصوفيين وآلاف غيرهم من المسئولين والعلماء والوجهاء، والأسر المقدسية.
وأعلن المجلس الأعلى للمسلمين المقبرة موقعاَ تاريخياَ في العام 1927، بينما اعتبرتها سلطات الانتداب البريطاني موقعا أثريا في العام 1944. وقد ظلت المقبرة تستخدم كموقع للدفن حتى العام 1948 عندما استولت «إسرائيل» الحديثة النشأة على الجزء الغربي من القدس وبذلك وقعت المقبرة تحت السيطرة الإسرائيلية.
ومركز الحقوق الدستورية مكرس لتعزيز وحماية الحقوق التي يكفلها دستور الولايات المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد تأسس المركز في العام 1966 من قبل محامين يمثلون حركات الحقوق المدنية في الجنوب. والمركز منظمة قانونية وتعليمية غير هادفة للربح تلتزم بالاستخدام المبدع للقانون كقوة إيجابية من أجل التغيير الاجتماعي.
العدد 2716 - الخميس 11 فبراير 2010م الموافق 27 صفر 1431هـ