العدد 2716 - الخميس 11 فبراير 2010م الموافق 27 صفر 1431هـ

فلسفة التاريخ والتطور الاجتماعي (2 - 2)

إبراهيم الحيدري - باحث عراقي، نقلا عن موقع إيلاف 

11 فبراير 2010

لا يمكننا فهم فلسفة التاريخ عند ابن خلدون إلا من خلال فهم طبيعة الدولة ودورها في مسيرة التاريخ والمجتمع والحضارة.

تبدأ ولادة الدولة في البادية، لأن البادية هي الأصل، والبداوة تقوم على العصبية القبلية، والعصبية القبلية تدعو إلى التغلب، والتغلب يدعو إلى التملك والملك، والملك هو التغلب بالحكم والقهر.

ويسيرالتاريخ على شكل حلزوني في حركة صاعدة نازلة ويتطور ويتكامل ولكن ليس نحو الأعلى والأفضل دوما ولا في خط مستقيم أو عامودي، وإنما يتحول من شكل إلى آخر، فهو جديد وقديم في الوقت نفسه. هذه العملية الجدلية تنظر إلى العالم في حركة تطور، غير أن هذا التطور ليس تطورا هادفا. وبالمقارنة بالديالكتيك الماركسي، فإن جدلية التاريخ عند ماركس هي في حركة لولبية لا متناهية ومتناقضة في آن، وإن حصيلة هذا التناقض هو تشكيل أعلى وأفضل. أما جدلية ابن خلدون فهي في تجدد أبدي مستمر وتظهر في تحليله لخصائص كل من البداوة والحضارة.

والدولة ( الملك) تقوم على حركة حلزونية وفي دورة اجتماعية دائرية تستغرق ثلاثة أجيال حتى تستكمل الدولة عمرها. وتمرّ الدولة في أغلب الأحيان بمراحل مختلفة لا تتعدى خمسة مراحل وهي:

- مرحلة النشوء والتكوين. فالدولة تنشأ أولا في القبيلة ذات العصبية القبلية القوية. وتتماثل هذه المرحلة مع مرحلة ولادة الإنسان ونشوء الدولة.

- مرحلة التوسع، إذ تقوم القبيلة بغزو المناطق المجاورة لها واحتلال أراضٍ زراعية غنية إذ يتحول البدو الرحل إلى حياة الاستقرار والتحضر والتنعم بمستوى اقتصادي أعلى. غير أن العصبية في هذه المرحلة تبدأ بالضعف وتصبح «المشيخة»معزولة تقريبا لأن همها الأساسي هو جمع أكبر عدد من الأفراد المؤيدين، وبذلك تتحول سلطة القبيلة إلى سلطة الفرد الواحد. وهذه المرحلة تتماثل مع مرحلة الشباب عند الإنسان.

- مرحلة ازدهار الدولة الذي يظهر في ارتفاع مستوى المعيشة وتوسع المدن وتقدم التجارة والصناعة وازدهار العمران. غير أن ارتفاع مستوى المعيشة والثراء يدفع إلى الجاه والسلطة فيزداد جمع الضرائب من جهة وتراكم الثروة والبذخ والإسراف من جهة أخرى، وفي ذات الوقت لا يعود للعصبية من وجود، لأن الدولة تعتمد الآن على الجيش والشرطة لاستتباب الأمن والنظام. هذه المرحلة تماثل مرحلة الرجولة عند الإنسان.

4 - مرحلة الكفاية والدعة. فالحكام يقلدون فيها من سبقهم فلا يبدعون. وتتحول الدولة بالتدريج إلى مرحلة الهرم والشيخوخة. وتبدأ مرحلة التفكك. وبذلك تصبح الدولة مريضة ولا أمل في إنقاذها.

5 - في المرحلة الخامسة تقوم قبيلة بدوية ذات عصبية قبلية قوية فتهجم على الدولة المفككة وتستلم السلطة بقوة عصبيتها. وهكذا تبدأ ومن جديد دورة اجتماعية جديدة لحركة حلزونية أبدية حسب القانون الاجتماعي لمسيرة التاريخ الخلدونية، الذي يعني «أن الموت عند ابن خلدون لا يعني الفناء، وإنما ولادة حياة جديدة». وهكذا دواليك.


علم التاريخ

والتاريخ عند ابن خلدون هو فن من الفنون. فهو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول وتقلب الأحوال وزوال الدول و «في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم في علومها خليق».

وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين القدماء وفساد منهجهم وطريقة تفكيرهم وعدم توصلهم إلى طبيعة الأشياء وكذلك توهّمهم للصدق وذلك بسبب اعتمادهم على النقل من دون النظر العقلي ومعرفة أصول العادة وقواعد السياسة وشئون المجتمع وتزلُّفهم للأمراء والعلماء وأهل السلطان ثم الثقة العمياء بالرواة الناقلين للأخبار. وعلى المؤرخ أن يضع الحقائق التاريخية تحت المجهر العلمي ويستعمل منهج المقارنة والنقد للتأكد من صحة وأمانة الرواة واتفاقها مع طبيعة الأشياء. ويعود قصور المؤرخين القدماء في ذلك إلى جهلهم بطبائع العمران وأحوال الناس وعدم اعتمادهم على منهج علمي استقرائي. ويمكننا إيجاز أفكار ابن خلدون وأهمية نظريته في ثلاثة محاور رئيسية هي: أولا إنه وضع نظرية في فلسفة التاريخ كشف بموجبها عن خصوصية المجتمع العربي وإدراك عوامل تقدمه ونكوصه. وثانيا هو أنه مؤسس أصول علم الاجتماع الحديث الذي أطلق عليه «العمران البشري والاجتماع الانساني»، وثالثا أنه اعتمد منهجا علميا كشف فيه عن حقائق التاريخ باستخدامه المنهج الاستقرائي الذي ربط فيه بين السبب والنتيجة.

العدد 2716 - الخميس 11 فبراير 2010م الموافق 27 صفر 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً