هذا ما أكده عضو المجلس الأوربي للإفتاء الشيخ سالم الشيخي، إذ شدد على أن السؤال الذي يوجه للمسلم في البلاد الغربية عن حقيقة ولائه:هل لبلده أم للأمة المسلمة، سؤال فيه خطأ من الأساس... ذلك لأن الولاءين لا يتعارضان مطلقا، فليس معنى أنني أنتمي لأمة الإسلام أن أعادي دولة أعيش بها أيّا كانت، بالضبط كما لا يجوز أن تسأل المسيحي في فرنسا من أحب إليك المسيح... أم البرلمان الفرنسي.ونبّه الشيخ سالم على أن الموضوع له جانبان جانب ديني، وجانب سياسي قانوني، ففي الجانب الديني أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء الكثير من الفتاوى التي توجب على المسلمين في الغرب الالتزام بقوانين البلاد التي يعيشون فيها ما لم تتعارض هذه القوانين مع ثوابت الإسلام... إضافة إلى أن المسلم كذلك مطالب بكل مقتضيات المواطنة من الدفاع، والانتماء، وغيرها... كل ذلك بالطبع في إطار الحفاظ على الثوابت الإسلامية.
أما الجانب القانوني السياسي فيتمثل في كون الدساتير الغربية تكفل للمواطنين الحق في إقامة العدل ونبذ الظلم ومعارضته، فالمواطن الغربي باستطاعته المعارضة القانونية لأي تصرف يراه منافيا للحق، عن طريق منظمات المجتمع المدني، وهناك سوابق كثيرة تؤكد هذا، منها معارضات الأميركيين للذهاب لحرب فيتنام أو العراق، وما فعله الملاكم الشهير «محمد علي كلاي»وغيرها الكثير.
هذه وجهة نظر أخرى أكد عليها عدد من الباحثين الفرنسيين المسلمين في مناسبات مختلفة؛ إذ شددوا على أن مفهوم الولاء للوطن يجب أن يقدم على مفهوم الولاء للأمة بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب... واستدلوا بجملة من النصوص التي تحث المسلمين على الاندماج في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها دون أن يفرطوا في ثوابت دينهم، رافعين شعار «أوفياء للإسلام، موالون للجمهورية».
وفي هذا السياق قال طارق أبرو - عميد مسجد بوردو جنوب فرنسا - في أحد الندوات التى نظمها المركز العالمي للفكر الإسلامي بباريس أن النقاش بشأن بقاء المسلمين كجاليات مسلمة في فرنسا - بين غيرهم من غير المسلمين - أو حمل حقائبهم والرحيل لأنهم في بلاد غير إسلامية انطلق منذ مطلع الثمانينات، وخلص إلى أنهم يتناقشون في حلقة مفرغة، وأن مسألة بقائهم لا مفر منها... بعيدا عن القمع وغياب الحريات في بلادهم الأصلية».
وأضاف أبرو «أمام إشكالية من نوع كهذا توصلنا إلى أن مواطنتنا في البلاد الغربية يجب أن تقدم على ما عداها، وفي إطار ما اعتبره «ميثاق المواطنة»، ذهب عميد مسجد بوردو إلى القول بأنه» إذا كان هناك عدو خارجي وأراد هذا العدو أن يعتدي على يهود ومسيحي فرنسا وغيرهم من الفرنسيين، فإننا يجب علينا كمسلمين أن ندافع عن هذه البلاد بكل الطرق... باعتبارنا مواطنين تجمعنا مع غيرنا من الفرنسيين صفة المواطنة».
من جهته أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة تولوز الفرنسية الدكتور أحمد العلمي على ضرورة تبني المسلمين لمفهوم المواطنة الفرنسية من دون أن يكون ذلك متعارضا مع إسلامهم، وقال العلمي: «إن يهود فرنسا يستعملون مقولة: أوفياء لـ «إسرائيل» وموالون للجمهورية الفرنسية... ومن جهتنا يجب أن نطلق شعارنا: أوفياء للإسلام وموالون للجمهورية». وتطرق أحمد العلمي إلى الأصول النصية والتاريخية لما أسماه بمفهوم «مواطنة الأقلية» باعتبار أن المسلمين ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يحظون في الغرب بتسمية «أقلية» وسط أغلبية غير مسلمة، وبالتالي فإن الأمر يتطلب بحسب العلمي «البحث عن توافق جديد في المفاهيم من منطلق أن الأرض كلها لله كما في قوله تعالى في سورة النساء 97» ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها».
ورأى أن هذه الهجرة في بعد منها هي «هجرة المسلمين اليوم إلى الغرب والتي تستوحى من هجرة أول وفد من الصحابة إلى بلاد الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب بعد الاضطهاد الذي لقيه أتباع النبي محمد (ص) من البرجوازية المكّاوية «نسبة إلى مكة»، بحسب تعبير المستشرق الفرنسي ماكسيم ريدونسون.
ودعم العلمي رأيه في ضرورة تغليب معنى الولاء «للمواطنة» على ما عداه بالاستناد إلى رأي الفقيه نجم الدين الطوفي الذي غلب المصلحة في بعض المواطن على النص، وقال العلمي: «إن مصلحة الطائفة ربما تمر قبل مصلحة النص نفسه في بعض الأحيان، مع الأخذ بعين الاعتبار لبعض الشروط والسياق الاجتماعي والتاريخي».
ولم يستبعد الدكتور أحمد العلمي الحاجة إلى ظهور آراء فقهية جديدة تغلب مفهوم المواطنة، عندما أشار إلى إن التجربة التاريخية الإسلامية أثبتت عند سقوط الأندلس بقاء بعض المسلمين كأقلية في الأندلس بين الغالبية المسيحية، وأن هذه الأقلية أرسلت بكتابات إلى بعض علماء إفريقية مطالبة بفتاوى تجيز لهم البقاء مع الاندماج في المجتمع الإسباني الجديد، غير أن فتاوى المغادرة والترحيل هي التي غلبت في نهاية الأمر وانتهى الأمر إلى تغليب فقه الأمة على المواطنة.
واستند العلمي أيضا إلى قول الإمام علي بن أبي طالب: «ليس بلد خير من بلد، ولكن خير البلاد من حملك»، ورأى أن ذلك يعني تغليب قيمة المواطنة... وينتهي الباحث إلى أن المواطنة في معناها الغربي اليوم هي عبارة عن «حلف الفضول» الذي لا يفرق بين المواطنين.
من جهته، انتهى الدكتور مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي بباريس محمد المستيري إلى اعتبار «مفهوم الأمة لا يرتبط ببقعة جغرافية ولا بقومية ولكنه يشير إلى رابط بين العقائد»، وأوضح أن مفهوم الأمة في أحيان كثيرة ارتبط بالمعتقدين سواء أكانوا مسلمين أو نصارى أو يهودا كقوله تعالى في حديثه عن غير المسلمين: «تلك أمة قد خلت من قبلكم» ويعني ذلك أن مفهوم الأمة لا يشير بالضرورة إلى الأمة الإسلامية.
أما الأستاذ في جامعة «مارك بلوخ» وجامعة ستراسبورج والباحث المسلم الصوفي أريك جوفروا فتحدث عن المعاني الصوفية للانتماء للأمة، من ناحية إنه «في الحقيقة انتماء روحي، أما الانتماء الحقيقي فيجب أن يكون للمواطنة». واعتبر أن «هجرة المسلمين إلى بلاد الغرب ليست هجرة مادية وإنما هي هجرة داخلية من منطلق ما أسماه جوفروا بالمواطنة الإسلامية... التي هي - وقبل كل شيء - انتماء إلى الأرض التي نعيش فيها، انطلاقا من الحديث النبوي «حب الوطن من الإيمان».
وبالتالي يحث الباحث الغربي المسلم مسلمي فرنسا على «التخلي عن بقايا الانتماءات القومية، للانصهار في مشروع المواطنة على اعتباره مشروعا لا يتعارض مع المواطنة الإسلامية في معناها الإنساني».
العدد 2716 - الخميس 11 فبراير 2010م الموافق 27 صفر 1431هـ