العدد 2723 - الخميس 18 فبراير 2010م الموافق 04 ربيع الاول 1431هـ

النظام الأبوي البطريركي في المجتمع العربي (1)

إن ترسيخ البنية الفكرية الماضوية للعقل العربي أنتج تواطؤا غير معلن بين السلطة والنظام الأبوي؛ لأن كلاهما ذو نزعة استبدادية ـ قمعية وقفت حجر عثرة في مسار الإصلاح والتحديث والتقدم الاجتماعي وولدت عجزا عن توليد تيارات اجتماعية وثقافية نقدية فاعلة لها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية وتجاوزها إلى صياغة مشروع نهضة تحديثية يمتلك مقومات البقاء والتطور والاستمرارية.


مفهوم النظام الأبوي

والنظام الأبوي - البطريركي: هو بنية اجتماعية وسايكولوجية متميزة تطبع العائلة والقبيلة والسلطة والمجتمع، وتكون علاقة هرمية تراتبية تقوم على التسلط والخضوع اللاعقلاني الذي يتعارض مع قيم المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان، نتج عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية وثقافية وعبر سلسلة من المراحل التاريخية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية المترابطة فيما بينها، إذ ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة انتقالية تسبقها حتى تصل إلى مرحلة النظام “الأبوي الحديث”.

ومن الناحية البنيوية فالنظام الأبوي يتكون من طرائق التفكير والعمل والسلوك ويرتبط بنمط معين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي التقليدي السابق على الرأسمالية. وهو يتخذ من المجتمع العربي شكلا نوعيا متميزا يقابل المجتمع الحديث، من خصائصه قابليته على الاستمرار وعلى مقاومة التغير والمحافظة على القيم والأعراف التقليدية القديمة.

وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الأبوي على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية؛ لأن المجتمع الأبوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها أنماط من القيم والسلوك وأشكال متميزة من التنظيم. وهو يشكل لذلك، كما قلنا، بنية نوعية متميزة تتخذ أشكالا مختلفة من بينها بنية المجتمع الأبوي العربي، الذي هو أكثر أبوية من غيره من المجتمعات وأشد تقليدية وأكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخا لقيمه وأعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشا للمرأة واستلابا لشخصيتها؛ لأنه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تاريخي يرتبط بالبيئة الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية التغالبية. فمن المعروف أن العالم العربي هو أعظم موطن للبداوة مثلما هو أكثر مناطق العالم تأثرا ومعاناة في الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة، كما أشار إلى ذلك علي الوردي في كتابه “طبيعة المجتمع العراقي”، ذلك الصراع الذي مايزال يؤثر في بنية الثقافة والشخصية العربية.

تمتد جذور النظام الأبوي العربي إلى النظام القبلي الذي يقوم على صلة الدم والقربى والعصبية القبلية، وتتكون من شروط تاريخية وجغرافية وثقافية وذلك عن طريق سيطرة الثقافة البدوية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن طريق نظام القبيلة (المشيخة) الذي كان بديلا للدولة وإدارتها كتنظيم اجتماعي يقوم على القيم والعصبيات والعلاقات العشائرية التغالبية.

وعلى رغم أن الإسلام حاول تغيير البنية القبلية وجاء بمفهوم “الأمة” بديلا لمفهوم العصبية القبلية، إلا أن النظام القبلي بقي مهيمنا على المجتمع والدولة، إذ استمرت القيم والتقاليد في تأثيرها على العلاقات الاجتماعية. كما استمرت الصحراء العربية برفد القرى والأرياف بموجات بدوية مستمرة خضع لها سكان الأرياف والمدن وتأثروا بقيمها وأعرافها وعصبياتها وذلك بسبب ضعف الدولة المركزية، بعد سقوط الدولة العربية ـ الإسلامية وعاصمتها بغداد على يد هولاكو العام 1256 مما سبب هيمنة النظام القبلي والمحلي على المجتمع وبصورة خاصة على بنية العائلة الممتدة في علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية واستمرت حتى العصر الحديث بشكل أو بآخر، على الرغم من دخول كثير من عناصر التحديث إليه؛ لأن الدولة الحديثة لم تكتمل وتنضج بعد، وكذلك مفهوم الوطن والمواطنة والهوية، التي مازالت مفاهيم هلامية أولا، ولأن تركيب بنية العائلة العربية في شكلها الأولي لا يختلف كثيرا عن تركيب بنية القبيلة العربية لعصر ما قبل الإسلام، إلا في بعض مظاهرها الخارجية التي تأثرت بالتحديث، وليس في سلوكها ومضامينها وقيمها وذهنيتها ثانيا. كما أن النظام الأبوي هو بنية سايكولوجية ناتجة عن شروط تاريخية وحضارية نوعية تكونت من مجموعة من القيم والأعراف وأنماط من السلوك التي ترتبط بنظام اقتصادي تقليدي له خصوصية وبواقع اجتماعي حي، وليس مجرد خاصية من خواص نمط إنتاج معين بالعالم العربي.

العدد 2723 - الخميس 18 فبراير 2010م الموافق 04 ربيع الاول 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 3:07 ص

      ما ورد توصيف عام فيه قراءة متحاملة حتى لا أقول عدوانية على المجتمع العربي : لا مقارنات و لا مراجع و لا أعتقد انه عمل جدي

اقرأ ايضاً