يعبر البحث المستمر للعلاقة القائمة بين “الدين والسياسة”، من طرف الإسلاميين الإصلاحيين، عن إحساس متجدد بخطورة ترك مساحة التماس القائمة بين سلطة الدين والسياسة مبهمة وغائمة على مستوى التنظير السياسي، وانعكاس ذلك على فعلهم السياسي وعلاقتهم بنظام الدولة القائم عربيا.
ولذا جاءت التنظيرات الاجتهادية الأخيرة لزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي بشأن الإسلام والعلمانية، ومن قبله الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي، في كتابه “تصرفات الرسول(ص) بالإمامة، الدلالات المنهجية والتشريعية” لتؤكد وجود دينامية فكرية، فاحصة لاختيارات الوصل والفصل بين الديني والسياسي، بما يمكن من بلورة تصور سياسي قابل للتنفيذ العملي بعيدا عن هيمنة المقدس.
سنحاول في هذه المقالة تحليل وإعادة تركيب خطاب الإسلاميين الداعين إلى تمييز الدين عن السياسة انطلاقا من المنهج النسقي، مستحضرين الخلفية المعرفية للإسلاميين التي تؤكد على اعتبارين اثنين: الأول: التسليم بكون الدين والسياسة يشتركان في مرتكز المسئولية العامة، واعتبار الدولة مجمع الاثنين ومربع تنافسهما الاجتماعي. ثانيا: نجاح الإسلام في صياغة الجانب المعرفي الاجتماع البشري العربي، وانعكاس ذلك على فكرة السلطة وكيفية تنظيم شئون الاجتماع السياسي.
تعتبر السوسيولوجيا التاريخية السلطة وليدة توازن القوى المجتمعية، وبالتالي فإن القول بفصل الدين عن الدولة، أو الحفاظ على الوصل بينهما هو جزء من الحراك الاجتماعي، وبما أن دينامية المجتمع تنطلق أساسا من ذهنيته المعرفية، فإن سيادة العلمانية في الغرب، وفي العالم الإسلامي لن تخرج عن هذا الإطار.
نستحضر كذلك ما تعرضت له فكرة الفصل بين الدين والسياسة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر من انتقادات معتبرة وجوهرية، ذلك أن كل باحث في تاريخ العلاقة بين الطرفين سيكتشف كون الغالبية العظمى من الأنظمة السياسية في المنتظم الدولي اليوم لم يتحقق فيها الفصل المزعوم في التنظير العلماني بالشكل الذي يفيده مصطلح “فصل” في اللغة، كما لم تذب المسألة الدينية تماما في بوتقة العلمانية، بل ترسّخت فلسفة الاستقلال عند الدين (الكنيسة) مع الحضور السلوكي على المستوى الفردي في الدول الغربية الحالية.
وحيث إن السلطة تستمد قوتها من بنية المجتمع، فهي بذلك تجسد تقسيما للأدوار في ظل قانون نابع من الإرادة الحرة للشعب، وهذه الحقيقة التاريخية تجعل من النموذج العلماني الفرنسي الصارم جزءا من هذه المعادلة؛ إذ يتمتع رئيس الجمهورية بسلطة التعيين في بعض المناصب الدينية العليا، والتي تعتبر بحكم القانون وظيفة عمومية صرفة، وما يتبع ذلك من إنقاق للدولة العلمانية على المنصب الديني. قد يقول البعض إن السياسة جزء من الدين، ويرد عليه مخالفوه بأن السياسة بشرية الطابع، وإذا نظرنا إلى تاريخ الدولة من دولة القبيلة إلى الدولة القومية الحديثة فإننا نسجل أن:
- الدين ليس العامل الوحيد في تدبير شئون الدولة.
- السياسة علم مدني، أي ليس دينا، وإنما تتحاكم إلى الدين ومبادئه، وهذه المبادئ في الإسلام عامة وغير تفصيلية في شئون الدولة، وهنا يتدخل العقل البشري المنتج للسياسة كعلم مدني في تفسير النصوص الدينية وتأويلها طبقا لمستجدات الواقع الاجتماعي وضمن مقاصد الدين فيما يطلق عليه الاجتهاد.
- السياسة تستهدف الإصلاح، وهنا تتفق مع الدين وتتطابق معه، غير أن هذا الإصلاح السياسي قد لا نجد له أصلا في الوحي ولا في عمل الرسول(ص)، بل مصدره التجربة والإبداع البشري، وعلى رغم ذلك يبقى الإسلام في اتساق مع السياسة ما دامت تعني “ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول (ص) ولا نزل به وحي”.
والخلاصة الأساسية هنا أن الدين (الإسلام) ليس المشرع الوحيد للاجتماع السياسي، بل يتدخل الإنسان عبر آلية العقل المنتجة للعلم المدني لإنتاج قوانين ليست من الدين، بل يكفي ألا تتعارض معه في الجوهر أو في المقاصد العامة والكلية، بتعبير الشيخ الطاهر ابن عاشور.
العدد 2723 - الخميس 18 فبراير 2010م الموافق 04 ربيع الاول 1431هـ