حسام عزالدين- صحافي فلسطيني وباحث اجتماعي وبرلماني، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند»
24 فبراير 2010
في شهر يناير/ كانون الثاني 2009، وقفت مع عشرات الشبان الفلسطينيين وهم يتدافعون أمام مكاتب تابعة لحرس الرئاسة الفلسطينية في رام الله، باحثين عن فرصة للعمل في الحرس الخاص للرئيس محمود عباس. كان هناك من خرج منزعجا بعدما تم رفضه لأسباب تتعلق بالشروط الواجب توفرها لدى المقبولين، ومن هذه الشروط الطول المناسب والوزن.
يلعب الشباب الفلسطيني دورا ذو أهمية متزايدة في بناء المؤسسات للدولة المستقبلية. وتنبع هذه الرغبة بالمشاركة بشكل كبير من الإحساس بأنه لم يكن للوزارات والأجهزة الأمنية والمؤسسات الأخرى أن تتواجد على أرض الواقع لولا السنوات الخمسة من الصراع/ المقاومة التي بدأت مع الانتفاضة الأولى والتي كانوا هم في طليعة قيادتها.
يتمتع جيل الشباب هذه الأيام بتمثيل ملحوظ في المؤسسات الفلسطينية، وكان هذا ظاهرا في الانتخابات الأخيرة داخل حركة فتح الصيف الماضي، وهي انتخابات فاز بها في الواقع جيل الشباب. فأغلبية قادة فتح الآن هم من الشباب، حيث يتبوأ العديد منهم مناصب عليا في الوزارات الحكومية، ومنهم وزراء، مثل وزير شئون الأسرى والمحررين عيسى قراقع، الذي كان قد أمضى عشر سنين في السجون الإسرائيلية.
بدأ التغير نحو المشاركة السياسية من قبل جيل الشباب في العام 1994 بعد اتفاقية أوسلو وعندما عادت القيادة الفلسطينية إلى الضفة الغربية وغزة. انضمت أعداد كبيرة من الشباب الفلسطيني، فاقت 120 ألف موظف للقطاع المدني والعسكري في السنوات الأولى من إنشاء السلطة الفلسطينية. ويصل هذا العدد الآن في المؤسسات الفلسطينية الناشئة إلى 160 ألف موظف، معظمهم من الشباب. وقد شجعت السلطة الفلسطينية المشاركة الشبابية كعنصر استراتيجي من عملية إعادة البناء.
كانت الأهمية التي تكنّها القيادة لعنصر الشباب من حيث دورهم في السياسية والكفاح المسلح أمرا واضحا كذلك عندما تعثرت المفاوضات السياسية ما بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في كامب ديفيد في العام 2000. ففي هذه المرحلة، استخدمت القيادة الفلسطينية شبانها العاملين في المؤسسات المدنية لإطلاق أعمال سياسية ضد الاحتلال. وهي أعمال أخذت شكل مسيرات وتجمعات في بادئ الأمر، إلا أن التركيز سرعان ما تحول إلى الشباب العاملين في القطاعات الأمنية والذين كانوا جاهزين بشكل واضح للكفاح المسلح، مما جعلهم متقبلين لإيعاز القادة السياسيين بإشعال الانتفاضة الثانية.
بالمقارنة مع الانتفاضة الأولى، كانت هذه الانتفاضة الثانية أكثر عنفا ومؤشرا أقوى على الرغبة الجامحة بالاستقلال. وكون القيادة السياسية باتت اليوم في الأراضي الفلسطينية، فقد اتحدت العقلية الفتية القادمة من الخارج مع ذات العقلية العاملة في الأراضي الفلسطينية، في قيادة انتفاضة مسلحة قد تكون القيادة السياسية من الأجيال السابقة لم تكن تتوقعها بهذا العنف. لذلك، فقد أسهمت الانتفاضة الفلسطينية الثانية ببروز قيادات شابة لم يكن لها صيت في السابق، ومنها مروان البرغوثي الذي تتهمه «إسرائيل» بقيادة الانتفاضة الثانية.
إلا أن مستوى العنف المضاد الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي لقمع الانتفاضة الثانية فاق مستوى العنف الذي استخدمه الفلسطينيون، وهو الأمر الذي أدى إلى بروز توجه جديد في العقلية الشابة الفلسطينية يدعو إلى التروي والحفاظ على الكينونة السياسية الشابة، خاصة في ظل ارتفاع عدد القتلى والجرحى والمعتقلين.
كان التغير الناتج عن ذلك في الابتعاد عن الكفاح المسلح والعودة إلى الأساليب السياسية واضحا في العام 2006، حينما بادرت قيادات شابة من داخل السجون الإسرائيلية، كان لها الدور الأبرز في قيادة الانتفاضة الثانية، إلى بلورة وثيقة سياسية عرفت بوثيقة الأسرى، وطرحها على القيادة السياسية الفلسطينية (من حماس وفتح) لتحقيق التوافق السياسي الداخلي ومواصلة مفاوضات السلام. ومثلت هذه الوثيقة بروزا لتوجه جاد في عقلية القيادة الفلسطينية الشابة نحو التأثير سياسيا في توجهات القيادات السياسية من الأجيال السابقة.
وشكلت نتائج الانتخابات الداخلية في حركة فتح في مؤتمرها السادس مؤشرا إضافيا على سعي الفئات الشابة للعمل السياسي في تحقيق الاستقلال، وهو ما أظهره هؤلاء عقب فوزهم في عضوية اللجنة المركزية للحركة أو في المجلس الثوري.
وإن كان بروز الدور السياسي للقيادات الشابة احتاج لعدة مراحل كي يبرز في حياة حركة فتح السياسية، إلا أن الدور الشبابي كان أكثر بروزا في حركة حماس. فكان صعود الشباب إلى مراكز هامة في داخل الحركة يتم بوتيرة أسرع، كما كان واضحا عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006 في قطاع غزة. ومنذ تلك اللحظة، دفعت الحركة بوجوه شابة للتعبير عن مواقف الحركة السياسية، وبات المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري معروفا لغالبية القنوات الفضائية عند الحديث في الشأن السياسي، وأضحى اسمه معروفا أيضا هو ومشير المصري لمتابعي الأوضاع السياسية في الأراضي الفلسطينية.
وسواء في حركة حماس أو في حركة فتح، فقد مثل الشباب نسبة ليست بالقليلة من بين نواب المجلس التشريعي الذين فازوا في مقاعد المجلس، وهو ما يوضح وجود توجه واضح نحو السماح لجيل الشباب بأن يكون لهم قول، وخصوصا إذا كان متمشيا مع السياسة المتبعة.
لقد تأرجح جيل الشباب عبر الست عشرة سنة الماضية ما بين المشاركة السياسية والمقاومة العنفية ضد الاحتلال. واعتمد ذلك الخيار على ما إذا كان هناك إحساس بوجود التقدم في العملية السياسية. وإذا ما أتيح لهم الاختيار، سيختار الشباب الفلسطيني اليوم المسار السياسي لتأسيس القيادة وبناء حكومة فلسطينية.
العدد 2729 - الأربعاء 24 فبراير 2010م الموافق 10 ربيع الاول 1431هـ