العدد 2730 - الخميس 25 فبراير 2010م الموافق 11 ربيع الاول 1431هـ

الإسلاميون بين الدين والسياسة... من التمييز إلى التقسيم (2)

خالد يموت - باحث مغربي في العلوم السياسية 

25 فبراير 2010

التشريع القانوني قد يكون شرعا

وعلى رغم أن علاقة الدين بالسياسة المبثوثة في أدبيات الفكر السياسي وعلم الاجتماع (الغربي والعربي الإسلامي) من الناحية العملية لا تترك إلا مساحة ضيقة للدين وتمنح السياسة الدائرة الواسعة في تدبير شئون العمران، فإن هذا المسلك في نظر الإسلاميين الإصلاحيين يجعل الشريعة الإسلامية تتداخل مع السياسة في الوقت الذي يحدث فيه نوع من الاستقلال «للقانون» الذي أبدعته آليات السياسة التنظيمية والمأسسة عبر الاجتهاد القضائي مثلا، فقد تأخذ القوانين الوضعية طابع الإلزام الديني، أو تفسر شيئا من الدين، كما أنها تؤطر بعض شكليات الممارسة الدينية، إذ ينصب كبير اهتمامها (القوانين)على التدين وممارساته الاجتماعية، وليس على الدين كنصوص مقدسة.

وإذا كانت الشريعة في الأدبيات الفقهية مرادفة للعقيدة، فإن الفقه يمثل مجموع آراء الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي، ويكون مؤسّسا على نص من الشريعة بالتفسير أو التأويل والاستنباط للحكم الشرعي وغيره، فالشريعة مقدسة لأن مصدرها إلهي، بينما الفقه غير مقدس لأنه إنتاج بشري، وهذه القاعدة مقررة على رغم ما يلاحظ من التوسع في الأحكام الشرعية بالسياسة، فبناء نظرة سليمة لعلاقة الشريعة بالسياسة تستلزم ضرورة التمييز بين القيم التي تحكم السياسة وبين الوسائل والأدوات التي تستعملها.

هكذا يمكننا أن نتجاوز المفهوم الجامد للشريعة، مما يمنح هامشا لتدخل العقل البشري الجمعي لتدبير أمور الحياة السياسية التي تركتها الشريعة منطقة عفو وفراغ في كثير من أمورها - لما تتسم به من دينامية - لم يكن من شأن الشريعة متابعتها نظرا لطبيعتها التغيرية. وبالتالي يمكن القول إن ما يشرعه المجتمع عبر مؤسساته كالبرلمان وغيره في موضوع معين هو بمثابة شريعة ما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة والثبوت في الشريعة الإسلامية.

وانطلاقا من هذه المقولات المميزة بين الشريعة التي أنزلها الله والفقه الذي هو من صنع واجتهادات الفقهاء حسب ظروف الزمان والمكان (باعتبار الفقه إنتاجا تاريخيا) يمكن القول إن الإسلام لا يضفي على القانون طبيعة دينية تجعله «نصا إلهيا»جامدا لا يقبل التعديل، كما أنه لا يسمح بوضع القانون في استقلال عن مبادئه الدينية ومقاصده الكلية.

وتبعا لذلك فبين الإسلام والسياسة علاقات تداخل وفروق جوهرية، وبين الإسلام والدولة عموم في الرؤية وخصوص في التطبيق، فالإسلام سياسة بمعناها العام، والسياسة ليست دينا أو رسالة نبوية يتعبد بها، حتى وإن حدد لها الدين الإطار الأخلاقي والمقاصد الإنسانية في التشريع، التي تكون بالتزامها بها سياسة شرعية من وجهة نظر دينية. كما أن السياسة قد لا تكون دينا، حتى وإن انطلقت من الإبداع البشري للوصول إلى ما أوحى به الشارع إلى رسوله عليه الصلاة والسلام.

فمسألة السلطة السياسية والمرجعية الدينية بهذا الطرح تحيل إلى المشترك بين النظام السياسي الحديث والشرعية المبنية على الأرضية الدينية، فرفض الإسلاميين للثيوقراطية (الحكم الديني) يحقق مصالحة نظرية مع التصورات السياسية المعاصرة، لكنه يظل متباينا بوضوح مع التوجهات العلمانية، إذ يرفض الفصل بين الدين والسياسة، ويتبنى نظرية التمييز بينهما، لكن هل هذه النظرية كافية للحد من خلط للأدوار القائم بين الطرفين وعدم استغلال رجال الدولة الدين للاستبداد بالسلطة؟

نقصد بالتمييز بين الديني والسياسي تحديد دور كل منهما في الحياة العامة داخل الاجتماع السياسي، وعلاقة هذا الدور بالحرية الفردية، أما التقسيم فنقصد به الأسلوب العملي المنبثق عن الجماعة (الغالبية البرلمانية مثلا)، والهادف إلى مأسسة دور الديني والسياسي انطلاقا من نصوص تشريعية وتنظيمية مطابقة للدستور، إذ يتخذ بعضها طابع الإلزام العمومي تماما كما يتعامل مع أحد النصوص الدينية المقدسة.

فإذا كان التمييز اجتهادا فلسفيا ومرجعيا معرضا للاختلاف على مستوى التوسع والضيق النظري، فإن التقسيم هو الصورة الشكلية المطبقة للرؤية المرجعية، لذلك يتعرض التقسيم بدوره للتوسع في المؤسسات وطبيعتها الوظيفية، أو التقليص فيكون حسب اجتهاد الجماعة ورؤيتها لمصالحها الدينية والدنيوية في عصر معين، وفي ظل دستور ناظم للتشريع الوطني داخل الدولة.

من الناحية التاريخية يعود الفضل إلى «أوغسطين» في إشاعة فكرة التمييز بين الدين والسياسة، إذ تبنى في هذا الصدد مواقف بعض آباء الكنيسة من أمثال القديس «أميرواز» أسقف ميلانو، والقديس «حنا كريسوستوم» بطريك القسطنطينية، وتتلخص هذه المواقف في المناداة بالتمييز بين السلطة الروحية ممثلة بالكنيسة والسلطة الزمنية، وباستقلالهما المتبادل وتعاونهما الوثيق في الوقت نفسه، وبالتفوق المعنوي للسلطة الروحية.

ومن داخل المذهبية الإسلامية يرى المفكر الإسلامي فهمي هويدي أن فكرة «التقسيم والتمييز» بين الدين والدنيا تسربت إلى الفقه السياسي الإسلامي منذ تسعة قرون، إذ وضع قاضي قضاة بغداد أبو الحسن الماوردي (364 هـ -450هـ) أسس هذا التنظير في كتابه الهام «أدب الدين والدنيا».

والظاهر أن هذا الحل القائم على التمييز لا الفصل يجد ضمن الإسلاميين المعاصرين من يؤصّل له انطلاقا من عمل الرسول (ص)، الذي وضع «الصحيفة» ليقنن فيها العلاقة بين المسلمين واليهود أو أهل الكتاب في المدينة.

فهذه الوثيقة (الصحيفة)، التي يطلق عليها «دستور المدينة»، تجسد تمييزا واضحا بين الديني والسياسي، إذ جعلت أهل المدينة «أمة واحدة من دون الناس» دون أن يدخل اليهود وغيرهم بهذه الوثيقة في الدين الإسلامي.

ومن جهته يعتبر سعد الدين العثماني أن هنالك تصرفات خاصة بالرسول (ص) كرسول من عند الله، وتصرفات دنيوية.

وقد دافع العثماني عن طرحه الجديد فقهيا بالاستناد إلى أطروحة الإمام القرافي التي صاغها في كتابه «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام وتصرفات القاضي والإمام»، ولكن هل تتماشى مثل هذه الطروحات مع تطورات علم السياسة المعاصر؟ وهل تمثل فعلا حلا لتجنب الصراع الديني حول السلطة؟

العدد 2730 - الخميس 25 فبراير 2010م الموافق 11 ربيع الاول 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً