إبراهيم البيومي غانم - الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة - مصر
11 مارس 2010
يتجه الجدل الدائر حول حقوق الإنسان في النظرية الإسلامية في هذه الأيام اتجاهات شتى، منها ما يؤكد الخصوصية والفرادة التي تميز الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان بمعنى يحصرها في صنف معين من البشر، وربما في مناطق جغرافية دون غيرها من العالم، ومنها ما يؤكد تطابقها تمام الانطباق مع النظرية الأوروبية السائدة باعتبارها نظرية عالمية، ومن ثم يرفض أنصار هذا الاتجاه وجود خصوصية لنظرية حقوق الإنسان الإسلامية.
وفي رأينا أن الخصوصية الكبرى لمفهوم حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية تتمثل في “الشمول والعالمية”، فقد جاءت الشريعة بتقرير كل أنواع الحقوق المدنية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، الجماعية منها والفردية من جهة، وجاء الخطاب من جهة أخرى باحترام هذه الحقوق وحمايتها وضمانها شاملا لكل بني آدم، أو لكل إنسان بوصفه إنسانا، وبوصفه إنسانا فقط لا أكثر من ذلك ولا أقل.
بعبارة أخرى يمكن القول: إن خصوصية حقوق الإنسان في النظرية الإسلامية هي في “عالميتها”، إذ إن خطاب التكليف بها وبحمايتها موجه للآدمي بموجب كونه إنسانا، وليس ثمة حق واحد دينيّا كان أو مدنيّا، سياسيّا أو اجتماعيا، مقرر لمسلم وحده ومحظور على غيره، وهذه الخصوصية أيضا هي في شمولها لكل أنواع الحقوق التي عرفتها المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان في صيغها الحديثة والمعاصرة.
ويشير مصطلح حقوق الإنسان ـ المستعمل في الخطاب المعاصر ـ إلى مجموعة الحقوق والمطالب الواجب الوفاء بها لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييز فيما بينهم لأي سبب كان. ولكن هذا التعريف العام ليس مسلما به لدى المجتمعات المختلفة؛ ذلك لأن نوع هذه الحقوق يرتبط ارتباطا وثيقا بالتصور الأساسي عن الإنسان ذاته، فإذا كان الإنسان فردا حرّا ذا كرامة وقيمة ويمتلك العقل والضمير، ويمتلك القدرة على الاختيار الأخلاقي والتصرف السليم، ويملك أيضا الحكم الصائب على ما هو في مصلحته، فإن حقوق هذا الإنسان ستنبني على أساس هذا التصور.
والواقع يشهد بوجود كثير من صور التمييز الفعلي بين بني البشر، إضافة إلى انتهاك أبسط حقوقهم، وليس ذلك إلا نتيجة من نتائج الثقافات الاستبدادية والعنصرية كتلك التي ظهر فيها من يقول إنه “شعب الله المختار”، أو إن شعبا من الشعوب فوق الجميع، أو إنه يحمل عبئا تجاه الأجناس الأخرى البدائية المتخلفة باعتباره جنسا أرقى، وكلها نزعات ظهرت وترعرعت في الثقافة الأوروبية، وتركت آثارها على علاقاتها مع أصحاب الثقافات الأخرى، وفي مقدمتها الثقافة العربية الإسلامية.
وإذا نظرنا إلى جملة حقوق الإنسان التي قررتها الشريعة على أي مستوى من مستويات التأصيل النظري سنجد أنها تؤكد على صفتي العالمية والشمول كما ذكرنا.
فالتأسيس المعرفي الفلسفي يبدأ بإسناد جميع الحقوق المقررة للإنسان إلى الله خالق الإنسان، ويجعلها واجبا مقدسا مفارقا لأي سلطة وضعية، كما يضفي عليها قوة إلزامية يتحمل مسئولية حمايتها كل فرد، فهي تسمو إلى مرتبة الواجب الديني، وبما أن هذه الحقوق مقررة من خالق الإنسان إذا فهي لا تعترف بالفروق الجنسية، أو الجغرافية، أو العقائدية.
أما التأسيس الشرعي الأصولي فيؤكد أن كل شيء في الأصل مباح، وهو الأوسع دائرة، وأن الاستثناء هو التحريم، وهو الأضيق دائرة، وأساس الإباحة والتحريم هو مصلحة الإنسان نفسه. ولا تقف حدود حرية الفرد وحقوقه إلا عند حدود حرية وحقوق الآخرين، فلا يجوز أن يخل أحد بحرية أو بحق غيره “فلا ضرر ولا ضرار”. ولابد في جميع الحالات من الالتزام بفضائل الأخلاق في ممارسة الحقوق، أو في الدفاع عنها، فإن جادل فعليه أن يجادل بالحسنى، وعليه ألا يقول ما لا يفعل، وإذا حكم ألا يكون فظّا غليظ القلب، إلى غير ذلك من الأخلاقيات التي حضت عليها آيات الكتاب والسنة النبوية.
إن البحث في مضمون خصوصية حقوق الإنسان من المنظور الإسلامي يقتضي بادئ ذي بدء الرجوع إلى نظرة الإسلام إلى الإنسان وتحديد موقعه في هذا الكون، وهنا نجد أن الإسلام قد اعترف بكيان الإنسان كما هو في حقيقته، فكل إنسان أيّا كان عرقه أو لونه أو دينه أو حضارته، (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وأيّا كان المكان أو الزمان الذي يولد ويعيش فيه، هذا الإنسان في نظر الإسلام يولد على الفطرة، وهذه الفطرة هي واحدة في كل بني آدم، وهي موجودة كاملة غير منقوصة فيه منذ لحظة ميلاده، وتشمل هذه الفطرة نفخة من روح الله تعالى.
العدد 2744 - الخميس 11 مارس 2010م الموافق 25 ربيع الاول 1431هـ