تمارس الصين معززة بتنامي قوتها، دبلوماسية اعتبرت أكثر صدامية بل وحتى متغطرسة، على رغم نفيها ذلك، وهي تبدو أقل ميلا لتقديم تنازلات إلى شركائها الذين يفقدون من جانبهم تسامحهم إزاءها. ويرى محللون أن العلاقات توترت بين الصين والعواصم الغربية في الوقت الذي تشعر فيه بكين بأنه يساء فهمها والعواصم الغربية بأنه يتم التعامل معها بازدراء، في الوقت الذي تفرض فيه تحديات عالمية مثل الوضع الاقتصادي والانتشار النووي والمناخ ومحاربة الإرهاب، المزيد من التعاون.
وأكد رئيس الوزراء الصيني، وين جياباو الأحد خلال المؤتمر الصحافي السنوي «أن البعض (...) يقولون إن الصين متغطرسة، وأنها قاسية ومزهوة بإنجازاتها»، لكن «تطور الصين لن يؤثر على أي بلد» لأن «الصين لن تسعى أبدا إلى التسلط حتى لو أصبحت دولة متقدمة». غير أن اللهجة التي يخاطب بها هذا البلد العملاق، الذي يبلغ عدد سكانه 1,3 مليار نسمة وهو أول بلد مصدر وسيملك قريبا ثاني أكبر اقتصاد في العالم، شركاءه تغيرت.
ومع بداية سنة النمر، أخرجت الصين مخالبها في وجه واشنطن واتهمتها بأنها «انتهكت سيادة الصين» وحملتها المسئولية كاملة في تدهور العلاقات بينهما بعد بيع أسلحة أميركية لتايوان واستقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما الدالاي لاما.
وفي ملف إيران النووي، وعلى رغم الضغوط الغربية، فإن الصين ثابتة في رفضها فرض عقوبات على طهران، وستقايض بثمن باهض جدا أي تنازل بهذا الصدد أو بشأن سعر صرف عملتها.
ولاحظ جان - بيار كابيستان المتخصص في شئون الصين في جامعة هونغ كونغ المعمدانية أنه «من المؤكد أن الصين شددت لهجتها». وأرجع ذلك إلى أسباب ثلاثة هي «أن الصين تشعر أنها أصبحت أقوى وأكثر نفوذا في العالم» وأن «الحزب الشيوعي بحاجة إلى إظهار الحزم (...) للحفاظ على الشعور القومي الذي حفزه داخل المجتمع»، كما أن مقاربة إدارة أوباما التصالحية للوهلة الأولى «منحت الصينيين فرصة لرفع سقف مصالحهم». ورأت فاليري نيكي من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أنه «يبدو أن تيارا نشطا داخل السلطة في الصين يعتبر أن الوضع الدولي، وخصوصا مع الأزمة (الاقتصادية) الشديدة التي طالت الغرب، مؤات للمواقف الصينية، وأنه حان الوقت بالنسبة لبكين لفرض معاييرها الخاصة على المجتمع الدولي».
وأضافت «إن هذا الموقف بدا جليا جدا، وخصوصا أثناء إدارة المفاوضين الصينيين (لمؤتمر المناخ) في كوبنهاغن».
وتترجم التصريحات الرسمية الصينية في كثير من الأحيان شعور بكين بأن قراراتها موضع انتقاد دائم من غربيين لا يفقهون شيئا في نظامها ويواصلون استفزازها بشأن مسائل غير قابلة للتفاوض مثل تايوان والتيبت. من جهة أخرى لم تهضم الصين بعد وضعها الجديد كقوة كبرى ويتعين عليها، كما يقول دبلوماسيون صينيون، تحسين أدوات الاتصال الخارجي حتى تتمكن من تمرير رسائلها بشكل أفضل.
بيد أن الأستاذ في مركز الدراسات حول الولايات المتحدة في جامعة الشعب ببكين، شي يينهونغ، رأى أن الصين «تملك ثقة أكبر بنفسها وبدأت تعبر عن مواقفها بشكل أكثر صراحة»، معتبرا أن الرئيس أوباما هو «الذي أصبح متغطرسا نسبيا» وذلك بعد أن مدت له الصين يدها في بداية ولايته.
لكن هل هناك مخاطر من أن يهيمن أكثر طابع الصراع على العلاقات التي تقيمها الصين مع باقي العالم؟
تقول فاليري نيكي، إن الإجابة على الأرجح لا، ملاحظة أن السياسة الخارجية المتشددة للنظام الشيوعي «لم تؤد إلى أية نتيجة ملموسة، فالدول تواصل استقبال الدالاي لاما والولايات المتحدة تبيع أسلحة لتايوان بانتظام». كما أكد جان- بيار كابيستان أيضا أن «السياسة الخارجية الصينية تعرف كيف تتأقلم وتتراجع أو تبدي مرونة حين يبدي الخصم أو شركاءها بدورهم المزيد من الحزم».
العدد 2749 - الثلثاء 16 مارس 2010م الموافق 30 ربيع الاول 1431هـ