يتميز فصل الصيف في البحرين بارتفاع درجة حرارة الجو وزيادة نسبة الرطوبة... وهذا تصاحبه كثير من المشكلات الصحية سواء النفسية أو الجسمية، ومعظم الناس لا يعلمون أن مصدر ما يتعرضون له من إسهال أو قيء أو فقد شهية إنما مرده إلى الميكروبات والكائنات الدقيقة التي تتكاثر بالحرارة والرطوبة والتي تنتقل إلينا عن طريق طعامنا وشرابنا، كما لا يعلمون أن الاضطرابات النفسية التي تعتري أمزجتهم وتعكر صفو يومهم وخصوصا في الصيف إنما هي مرتبطة إلى حد ما بطبيعة شخصيتهم وقدرتهم على التكيف مع هذا الجو...
ومن هنا ارتأت «الوسط» تسليط الضوء على هذه المشكلة محاولة الوقوف على أسبابها ودوافعها وطرق التكيف معها إن كانت نفسية أو الوقاية منها وعلاجها إن كانت جسدية...
وفي محاولة لرصد أهم الظواهر أو العوارض التي تعتري أمزجة بعض الناس وأجسادهم وتجعلهم يفرون من الحر باللجوء إلى السفر إلى بلاد أخرى تكون أكثر اعتدالا في الجو، فتضفي بردا على النفس وتسعدها، أو ربما تجعل غيرهم من الأفراد يمكثون مكانهم لأنهم ببساطة يحبون الصيف ولهيبه ويتمنون له طول البقاء، أشارت الاختصاصية الاجتماعية حميدة رلى أنها تحب الحر ولا تتأثر أبدا بحرارة الصيف، مضيفة: «قد يتأثر مزاجي نوعا ما في فترة الظهيرة إذ اشتداد حرارة الشمس، ولكن عموما أنا أحب الصيف ولا أخشى لهيبه»... ويشاطرها الرأي محمد حسن (موظف) مشيرا إلى أنه يحب الخروج فترة الذروة وقضاء كل الأعمال الملقاة على كاهله، فهو يحب الاستمتاع بحرارة الشمس بينما يكره الشتاء وسقوط الأمطار إذ غالبا ما يتعكر مزاجه في هذا الفصل ولا يعلم ما سبب ذلك.
وفي الجهة المقابلة رأينا أن هناك من يكره هذه الحرارة وينفر منها، إذ أشارت أم علي (مدرسة) إلى أنها غالبا ما تكون عصبية وحادة المزاج فترة الصيف وتشعر بالخمول والكسل ما يؤثر على إنتاجيتها سواء في المنزل أو العمل.
وتشاركها في الرأي أم صادق (مدرسة) قائلة: « أنا لا أحتمل الجلوس من دون مكيف» مضيفة أن الأطفال غالبا لا يحبذون ممارسة الرياضة ويقل نشاطهم كثيرا فترة الصيف.
بينما نقل عبدالرحيم عيسى ملاحظته كثرة انتشار الأمراض في الصيف والشكوى من التسمم الغذائي وخصوصا بين الأطفال. وأشارت زهرة علي (ربة منزل) إلى سرعة فساد الأطعمة بمجرد تعريضها لحرارة الغرفة لفترة وجيزة.
ملاحظات القراء هذه دفعتنا إلى السؤال عن المشكلات الصحية التي نتعرض لها بسبب حرارة الصيف وسبل الوقاية منها، فكان اللقاء مع استشاري الأمراض النفسية شبر القاهري واختصاصية طب العائلة رئيسة قسم التثقيف الصحي أمل الجودر فكانت الحصيلة كالآتي...
الطقس والحال النفسية
«شغلت العلاقة بين الحال النفسية والتغييرات الجوية الأذهان منذ زمن طويل، حين لاحظ الإنسان ارتباط حال الطقس في فصول السنة بحال مزاجه، فنسمات الربيع تبعث العواطف الإنسانية الرقيقة، بينما حرارة الصيف وبرد الشتاء حالات ترتبط بالانفعالات النفسية الحادة، والخريف مرتبط في الأذهان بالذبول والهدوء والسكون، وجاء العلم الحديث ليؤكد وجود علاقة بين حال النفس من حيث الاتزان الانفعالي، والمزاج في اعتداله واضطرابه وسلوك الإنسان، وبين التغييرات الجوية من خلال تأثيرات كهربائية ومغناطيسية كونية يتفاعل معها عقل الإنسان والجهاز العصبي، وتكون المحصلة النهائية تغييرات بيولوجية في جسم الإنسان مع حرارة الصيف وبرد الشتاء وكذلك تغييرات نفسية في عقله تبدو في صورة اعتدال أو اضطراب في المزاج وتوتر أو استرخاء في الانفعال والسلوك.
وثبت علميا أن الجو الحار الرطب يرتبط ارتباطا مباشرا باضطراب الحال العقلية، فالشخص العادي يصبح أكثر قابلية للتوتر وتسهل استثارته إذا كان موجودا في طقس حار مشبع بالرطوبة، وكثير من الناس يفقدون السيطرة على انفعالاتهم وينفذ صبرهم في هذا الطقس الذي يتميز به الصيف في بلادنا، كما أن الجو الحار ونسبة الرطوبة الزائدة تدفع غالبا إلى الكسل وتحد من النشاط».
لكن هذه الأمور نسبية ولا يجب تعميمها على الكل... هذا ما أكده شبر القاهري مضيفا: إن حال الإنسان النفسية واضطراب سلوكه او حدة مزاجه فترة الصيف أمر يختلف من شخص إلى آخر بحسب شخصية الإنسان وقدرته على التكيف. ويستنكر القاهري على أولئك الذين يهربون من الحر في بلادهم ويكبدون نفسهم أعباء مالية وقروضا وأقساطا شهرية من أجل السفر إلى بلدان لا تختلف درجات الحرارة فيها عن بلداننا، وهنا تمنى القاهري على الحكومة توفير البدائل من أنشطة صيفية وبرك سباحة وبرامج ترويحية حتى لا يضطر المواطن إلى أن يحمل نفسه فوق طاقته ومن دون أن يجني أية فائدة.
أمراض الصيف... بكتيريا منقولة
وعن الأمراض العضوية التي تتكاثر في الصيف تقول أمل الجودر: «إن الكائنات الدقيقة توجد في كل مكان حولنا... في الهواء والتربة والطعام والماء والحيوانات والحشرات وجلودنا وملابسنا بل حتى داخلنا، وهناك عدة أنواع من هذه الكائنات بمقدورها أن تلوث الطعام والشراب مثل السالمونيلا وبكتيريا القولون والمكورات العنقودية والتيفوئيد والأميبيا الدوسنتارية والباسلية وفيروسات الإسهال والتهاب الكبد الوبائي نوع (أ) وتؤدي هذه الكائنات إلى الكثير من الأمراض المعدية كالتسممات الغذائية والحميات المعوية. وكما يحتاج الطفل لعدد من العوامل كالطعام والماء والهواء والدفء لنموه يحتاج الكائن الدقيق إلى العوامل نفسها مع فارق أن الميكروب يحتاج إلى مدة زمنية قصيرة فقط لينمو ويتكاثر. وتنتقل جميع هذه الميكروبات عن طريق تناول طعام أو شراب ملوث بإحداها نتيجة عدم الالتزام ببديهيات النظافة والسلامة عند إعداد الطعام أو تخزينه أو تناوله».
أما أعراض العدوى فتوضح الجودر أنها تتراوح بين الإسهال البسيط إلى القيء وبين الإسهال المصاحب بدم والمخاط وارتفاع درجة الحرارة والتوعك العام وفقد الشهية وذلك بحسب نوع المرض. هذه الأعراض من الممكن معالجتها منزليا - كما تقول الجودر - إذ عند الإصابة بالإسهال من المهم جدا منع حدوث الجفاف ولذلك يجب الإكثار من شرب السوائل كالماء النظيف والشاي الخفيف والشوربة، وفي حال استمرار الإسهال لأكثر من يوم فلابد من البدء بشرب محلول الجفاف بإضافة كيس الملح الخاص بمحلول الجفاف إلى لتر من الماء النظيف مع ملاحظة أن فترة صلاحيته 24 ساعة فقط من تحضيره، والاستمرار في الأكل الطبيعي. وبالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و10 سنوات يجب إعطاؤهم كوبا ونصف كوب من محلول الجفاف بعد كل مرة يتبرزون فيها. أما الأطفال الأكبر سنا والبالغون فبإمكانهم شرب كميات غير محددة منه.
وأشارت الجودر إلى أن هناك أعراضا لابد من استشارة الطبيب عند الإحساس بها ومنها استمرار الإسهال لأكثر من ثلاثة أيام وزيادة عدد مرات التبرز في اليوم وخروج دم في البراز وحدوث قيء وارتفاع درجة الحرارة، كما يجب استشارة الطبيب قبل استخدام أية أدوية مضادة للإسهال أو المضادات الحيوية.
طرق للوقاية ونصائح عامة
وبالنسبة إلى الوقاية فترة الصيف من كل ما ذكر من أمراض تقول أمل الجودر: «لابد من المحافظة على نظافة الأيدي وغسلها بالماء والصابون دائما بعد استخدام المرحاض وبعد ملامسة اللحوم النيئة وقبل إعداد الطعام وتناوله، كما يجب غسل الأواني جميعها بعد استعمالها مباشرة وتخزينها في أماكن نظيفة. وفي المطبخ يجب تنظيف الأسطح بشكل دوري وعدم ترك القمامة مكشوفة.
أما عن الطعام فيجب غسل جميع الفواكه والخضار قبل تناولها أو طبخها وعدم ترك الطعام مكشوفا، وعند إعداد الطعام يجب طبخه جيدا بتعريضه لدرجة حرارة مرتفعة بوجه السرعة وأكله مباشرة وهو حار وإذا ما كان يؤكل باردا فيجب تبريده على وجه السرعة كما يجب عدم استخدام سكينا واحدة لقطع اللحوم النيئة والطعام الجاهز للأكل. ويجب تخزين الأغذية في الثلاجة لأن تركها لفترات طويلة في درجة حرارة الغرفة وإن كانت مكيفة يؤدي إلى التكاثر المطرد للميكروبات والكائنات الدقيقة ما يؤدي إلى حدوث تسممات غذائية، وبالنسبة إلى الطعام الزائد عن الحاجة مادام لم يلمس باليد فيجب حفظه في الثلاجة بسرعة وإعادة تسخينه قبل أكله». وتوجه الجودر بعض النصائح العامة التي من الممكن أن تجنبنا التعرض إلى أمراض الصيف ومنها تجنب شرب الحليب غير المبستر والثلج إذا كنا غير متأكدين من نظافة الماء المصنوع منه، وعند الشك في سلامة الماء يفضل غليه أولا ثم تبريده للشرب، كما يجب التأكد من صلاحية إنتاج الأطعمة قبل تناولها وتجنب تناول الطعام الذي تغير لونه أو رائحته وعدم استخدام الأدوات الشخصية للمريض.
لأشعة الشمس أضرارها
تؤكد أمل الجودر أن لأشعة الشمس أضرارا قريبة المدى وتشمل حروق الشمس والتقلصات العضلية وإغماء الحر وتورم الحر والإنهاك الحراري وضربات الشمس التي يجب نقل المصاب بها فورا إلى أقرب مستشفى وخفض حرارته وإمداده بالسوائل عن طريق الوريد ومتابعة قياس وظائف الكلى والكبد والقلب بشكل مستمر. أما عن الأعراض بعيدة المدى لأشعة الشمس فتشمل سرطان الجلد، إذ ثبت بشكل قاطع العلاقة بين التعرض الطويل لأشعة الشمس وخصوصا للأفراد ذوي البشرة البيضاء والشعر الأشقر والعيون الفاتحة وبين حدوث سرطان الجلد الذي تزداد نسبة التعرض للإصابة به عند الرجل أكثر منه عند المرأة. أما طرق الوقاية من أشعة الشمس فتلخصها الجودر في الآتي:
1- عدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة وخصوصا في الأوقات من العاشرة صباحا وحتى الثانية ظهرا. وتوجه الجودر نصيحة للمقاولين والشركات والمؤسسات بأن تجعل دوام العمال من الخامسة صباحا حتى الحادية عشرة وان تزودهم بالماء والقبعات وأماكن مظللة لفترات الراحة.
2- ارتداء ملابس قطنية فاتحة اللون.
3- استخدام كريمات واقية من الشمس عند الخروج أو السباحة ودهن الجلد المكشوف قبل نصف ساعة من التعرض لأشعة الشمس.
4- الإكثار من شرب الماء والسوائل وخصوصا أثناء ممارسة الأنشطة العضلية وحتى لو لم تشعر بالعطش.
5- تجنب الإكثار من شرب المشروبات المحتوية على الكافيين كالقهوة والشاي.
6- تجنب المجهود العضلي من دون داع في الأيام الحارة الرطبة.
وهكذا تعرفنا على أسباب حدة أمزجتنا وأن ذلك راجع في الأساس إلى تركيبتنا السيكولوجية وشخصيتنا المختلفة عن الآخرين، كما علمنا بأن هناك أمراضا تنتشر في فصل الصيف وبقليل من العناية سنتمكن من الوقاية منها فننجو بأنفسنا وبعيالنا من إزعاجها وهلاكها
العدد 663 - الثلثاء 29 يونيو 2004م الموافق 11 جمادى الأولى 1425هـ