العدد 663 - الثلثاء 29 يونيو 2004م الموافق 11 جمادى الأولى 1425هـ

البيئة وعلم النفس

تنفس بعمق ثم استرخ بعد ذلك تخيل المشهد الآتي: «أنت مستلق على رمال الساحل والشمس الذهبية تتوارى رويدا... رويدا خلف مياه البحر الذي تشرب لونها البرتقالي وكأن الدنيا بدأت في النعاس، أصوات الطيور تلاشت من فضاء الكون ولا تسمع سوى بقايا أصوات مختلطة من صدى صوت النوارس التي رحلت منذ قليل وهمسات موج البحر تصطدم متثاقلة بصخور اعتادت أن تحتضنها، تشعر بأن النسيم البارد العليل يداعب وجنتيك وكأنكما صديقان منذ ما قبل الوجود»

وأنت تتخيل هذا الموقف من المحتمل أن راودتك انفعالات من مثل «شعور بالراحة والاسترخاء، تفاؤل، فرح» وطافت في ذهنك ربما مئات الصور والذكريات الجميلة. إنه ليس تضييعا للوقت بل جزء من إحدى الطرق في المعالجة النفسية تعرف باسم «المشهد التخيلي» تدخل في أكثر من فنية علاجية، كلمة السر في هذه الفنيات أو طرق المعالجة النفسية وغيرها هي البيئة، بل إن العلاقة وصلت إلى اعتبارها أحد الفروع العلمية أو ما يعرف بعلم النفس البيئي، إذ«يصف برشانسكي هذا العلم بأنه فرع من فروع العلم يهتم بالتفاعلات والعلاقات بين البشر والبيئات المحيطة بهم». على أنني أعني بالبيئة Environment ليس بمعناها الواسع بل بالمعنى الفيزيقي الطبيعي natural لكونه المبحث الأساس هنا وقد أصاب برشانسكي عندما أشار إلى أن « كل بيئة فيزيقية Natural هي أيضا بيئة اجتماعيةSocial ، ومن المستحيل - في بعض الأحيان - فصل هذين الجانبين عن جوانب البيئة».

علاقة البيئة بالانفعالات النفسية

ربما كان المثال الذي سقناه في البداية مدخلا للفكرة يوضح كيف يمكن أن تؤثر البيئة سلبا أو إيجابا على حالنا الانفعالية بل إن من المفكرين من ربط بين الشخصية وما تحمله من قيم ثقافية وبين البيئة المحيطة وما تحمله من خصائص وصفات، فهذا المفكر العراقي وأحد منظري علم الاجتماع العربي علي الوردي يعتبر أن تركيب الثقافة البدوية يتأثر بطبيعة بيئته الجغرافية، ولهذا يصح القول إن الثقافات البدوية تختلف فيما بينها بحسب طبيعة الصحراء التي تنشأ فيها، وموقعها ومدى اتصالها بما حولها من الحضارات. وكان العلماء يفترضون حتى وقت قريب أن الطقس البارد أو المعتدل مطلوب لتطور التكنولوجيا والحضارة كما نعرفها، مادامت هذه الأنواع من المناخ تسبب مشكلات يمكن السيطرة عليها من أجل البقاء الإنساني. وعلى رغم ضآلة البيانات الجادة التي تدعم هذا الافتراض المتطرف فإن للمناخ آثارا على السلوك الإنساني يمكن التنبؤ بها. ويقرر سومرز و موس (1976) أن ساكني المناطق التي تتعرض للرياح الدافئة الجافة يعزون الاكتئاب وانفلات الأعصاب (النرفزة) والألم والتهيج وحتى حوادث المرور إلى تلك الرياح، وبالمثل فإن التغيرات في الضغط الجوي ارتبطت بالتغيرات في معدل الانتحار، واضطراب السلوك المدرسي.

وعلى رغم خطورة هذه الافتراضات فإنه على المستوى الوطني لم نجد إلى حد الآن دراسة علمية دقيقة ترصد التأثيرات الصحية بشكل عام فضلا عن التأثيرات النفسية للتلوث البيئي الذي غدا أحد أهم القضايا في الأجندة الوطنية اللهم إلا الجهد الفردي الكبير الذي قام به الخبير الاقتصادي عبدالحميد عبدالغفار الذي استطاع على رغم محدودية البيانات المتوافرة لديه أن يكشف عن مؤشرات خطيرة تمتد لتخيم بسوداوية على الصحة والاقتصاد وعملية التنمية بشكل عام، ومنها أن نسبة التلوث الضوضائي في البحرين فاق المعدل المسموح به بقليل إذ وصلت إلى 49 ديسيمل في المناطق غير السكنية مقارنة بـ 40 ديسيمل في الريف الأوروبي، بناء على الدراسة التي أجراها وهيب الناصر سنة 1987م، وهو ما يترك تأثيراته النفسية الخطيرة كالشعور بالاضطراب والضيق وتوتر الأعصاب والكآبة ما يحد من القدرة على التركيز والإنتاج. كما أشار عبدالغفار إلى خطر استنشاق الرصاص الذي يؤدي إلى تحطيم الجهاز العصبي وتخريب الدماغ، كما يتسبب في التخلف العقلي لدى الأطفال. وبلغت كمية الرصاص في البيئة البحرينية 80 - 1994 حوالي 2150 طنا وهو مما لا شك فيه ترك تأثيره على صحة أفراد المجتمع. وتعتبر السيارات أحد أبرز مصادر التلوث بالرصاص ويساعد على ذلك الاكتظاظ السكاني من جهة وارتفاع عدد السيارات من جهة أخرى، كما ان السيارات أيضا مصدر لانبعاث أول أكسيد الكربون إلى جانب المصانع. وأسهب عبدالغفار في الكشف عن الكثير من الحقائق التي منها قلة الدراسات المعنية بأثر التلوث على الصحة العامة وعدم وجود قياسات «موضوعية» لكمية الغازات المنبعثة من المصانع والضجيج الصادر عنها في مناطق مختلفة وغيرها من المظاهر والآثار التي تتركها، ما يجعلنا أمام وضع خطير ولاسيما أن هناك من الملاحظات غير المدروسة علميا تؤكد هذه التوجسات والمخاوف، ففي إحدى القرى الواقعة بين قلاع المصانع العتيدة في البحرين تثيرك للوهلة الأولى عدد حالات التخلف العقلي في هذه القرية مقارنة بباقي القرى الأخرى.

البيئة والاضطرابات النفسية

يكاد لا يخلو أي اضطراب نفسي من الاضطرابات التي تم تصنيفها في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في طبعته الرابعة والمعروف اختصارا DSM-IV من أعراض ذات صلة بالبيئة المحيطة، فالشخص الذي يعاني من الفصام يسمع صوتا لا يكف عن التعليق على سلوك الشخص أو أفكاره أو صوتين أو أكثر من حوار مع بعضهما بعضا، ويعرف هذا العرض بالهلوسة، كما أن الإنسان المكتئب المزاج يفقد لذة الاستمتاع بالحياة والبيئة المحيطة، ويترك هذا المزاج السوداوي تأثيره على حياة الفرد وربما فكر في انهاء هذا العذاب بالانتحار أو محاولته على الأقل. كما أن هناك عددا من المخاوف المرضية المعروفة بالرهاب هي عبارة عن حال خوف شديد غير منطقي من شيء أو موقف أو نشاط ما كرهاب الحيوانات ورهاب ركوب الطائرة ورهاب البرق وتسمى Specific Phobias ورهاب الأماكن الضيقة Agoraphobia وغيرها من أنواع الرهاب التي قد تكون منتشرة بين الكثيرين، أضف ان هناك اضطراب الوسواس القهري الذي له علاقة وثيقة بالبيئة من خلال تكرار التطهر وإعادة الوضوء وعدم لمس الأشياء خوفا من انتقال العدوى وغيرها من الأفكار والأفعال التكرارية القهرية التي يعرف المضطرب نفسيا مدى سخافتها لكنه ينهار أمام هذا الإلحاح الذي لا يعي مصدره وقد تطول بنا القائمة لو عددنا الاضطرابات النفسية وتداخل عامل البيئة فيها.

وما تم التعرض له خلال هذا المقال ليس سوى النزر اليسير من جدلية النفس والبيئة... تلك الجدلية التي إذا ما اختل أحد قطبيها يختل توازن القطبين. وقضايا البيئة في البحرين مجال خصب لدراسة هذه الجدلية في تفاعلها وتعقيداتها، فانحسار المتنزهات واستملاك السواحل، فضلا عن تأثيراته الاقتصادية والبيئية، له آثاره النفسية المباشرة وغير المباشرة، فمنظر البحر الهادئ لا تجاريه النوافير الاصطناعية، وظلال النخيل لا تبلغها تلك السقوف الاسمنتية مهما علت! ونسمة البحر الباردة المقبلة من بعيد لهي ألطف من هذا الهواء المصطنع، فضلا عن أن البيئة أحد أسس الانتماء والهوية لأنها المحيط الذي احتضن ليس ذاكرتك فقط بل دخل في صميم تركيب شخصيتك.

قائد جوالة المالكية

العدد 663 - الثلثاء 29 يونيو 2004م الموافق 11 جمادى الأولى 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً