العدد 732 - الإثنين 06 سبتمبر 2004م الموافق 21 رجب 1425هـ

الدوري لم يكن الساعد الأيمن لصدام

احتل عزة إبراهيم الدوري الموقع البروتوكولي الثاني على رأس هرم السلطة في العراق في نظام الرئيس المخلوع صدام حسين، باعتباره نائبا لصدام في رئاسة مجلس قيادة الثورة. واحتل الدوري هذا المنصب في العام 1979 بعد أن كان صدام نفسه يحتل هذا المنصب قبل أن يزيح أحمد حسن البكر عن رئاسة الدولة ورئاسة مجلس قيادة الثورة في 16 يوليو/تموز 1979. وتولى قبل ذلك عدة مناصب منها منصب وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي وبعد ذلك وزارة الداخلية. ولا يعرف عن الدوري كفاءة، فهو لم يكن قد حصل على تعليم متوسط إنما كان مجرد عامل بسيط من عائلة معدومة يساعد والده في بيع الثلج. ولد الدوري في قضاء الدور، وكانت الدور عبارة عن قرية في العام 1942. وانتمى إلى البعث في منتصف الستينات القرن الماضي، وكان مغمورا، ولكن نجمه ارتفع بعد أن استولى البعث على السلطة في العام 1968، إذ أصبح بعد عام عضوا في مجلس قيادة الثورة. ورأس محكمة الثورة في عدة مرات للتخلص من الرفاق الذين اتهموا بالتآمر على الحزب والثورة.

والميزة الكبيرة للدوري التي أهلته لتولي أرفع المناصب هو ولاؤه الأعمى لصدام حسين، فحظي برضا صدام سيما بعد أن تخلص الأخير من أحمد حسن البكر الرجل الأول في الدولة. ويؤكد عدد من رفاق صدام والدوري، أن عزة كان محدود الثقافة والإمكانات القيادية، بل أن شخصيته كانت ضعيفة ومغمورة وقد اختاره صدام ليكون الشخص الثاني بعده ليبقى كل الضوء مسلطا على صدام، سيما وأن المنصب الذي احتله الدوري كان سابقا من نصيب صدام الذي عبره استطاع أن يطيح بالبكر ويصبح بدله الشخص الأول في العراق.

وعلى رغم أن عزة الدوري احتل الموقع الثاني في رأس هرم السلطة في العراق، فإن بسبب طبيعة النظام الذي أسسه صدام ليس الدوري إلا مجرد واجهة بروتوكولية في حين ظل رجال مثل وزير الدفاع السابق عدنان خير الله وبرزان الأخ غير الشقيق لصدام ومن ثم صهره حسن كامل ومن بعد ذلك علي المجيد وولديه عدي وقصي كل في أوانه ومرحلته يمثل كل واحد منهم الساعد الأيمن لصدام. ولم يكن الدوري سوى مكلف بمهمات تخص الحزب في أموره التنظيمية الداخلية وحملات الاستزراع. وكان أيضا القفاز المعلن والواجهة الرسمية لصدام ليلقي بخصومه من داخل الدولة والحزب إلى الموت من خلال المحاكم الحزبية ومحاكم الثورة التي أكلت من أبناء الثورة أكثر مما أكلت من خارجها. الدوري الذي كان طائعا لصدام بالمطلق كثيرا ما اعتبر صدام ومن على شاشات التلفاز مقدسا في مرتبة الرسل والأنبياء والصديقين.

بعد حادثة مقتل عدنان خير الله منح صدام الدوري ثاني أعلى رتبة عسكرية (فريق أول ركن) وهو الذي لم يعرف الحياة العسكرية كما لم يكن حصل على أي شهادة تعليمية، وأصبح بذلك الدوري نائب القائد العام للقوات المسلحة. وقيل آنذاك ان حصوله على هذا الموقع الرفيع يأتي تكريما له لاقتراحه استخدام السلاح الكيماوي في حلبجة في العام 1988. وسطع نجم الدوري بشكل حاد في التسعينات إذ انه أفشل المفاوضات العراقية الكويتية بافتعال أزمة في السعودية وحرض صدام على غزو الكويت في 2 أغسطس/ آب 1990.

ثم زين لصدام القناعة بأن يصبح صلاح الدين الجديد، فلعب دوراً واضحاً في قمع الانتفاضة الشعبية العامة بعد الحرب التي شملت شمال وجنوب البلاد في ربيع العام 1991. وتولى الإشراف على الانتخابات الرئاسية التي جرت مرتين كان آخرها في العام 2002 والتي لم يكن سوى صدام مرشحا فيها. وكان الدوري يتوعد الحزبيين في المناطق الانتخابية بالعقوبات، إذا ظهر في مناطقهم أعداء لا يمنحون صوتهم للرئيس القائد الملهم الذي لم تنجب البشرية مثله قط، وكانت نتيجة الانتخابات التي أعلنها الدوري وهو يشبه صدام بالخليفة العادل عمر بن الخطاب هي 100 في المئة؛ واصفا تلك الانتخابات بأنها «ممارسة ديمقراطية فريدة».

وفي العام 1999 سافر إلى النمسا للعلاج من سرطان الدم، لكنه اضطر إلى مغادرتها على عجل بسبب المطالبة باعتقاله ومحاكمته بشأن جرائم ضد الإنسانية. يذكر أن ابنة الدوري كانت متزوجة من عدي صدام حسين، لكن زواجهما لم يعمر طويلا.

وناب الدوري عن صدام في المؤتمرات العربية والإسلامية في العقد الأخير من عمر نظام صدام، ولأنه منفذ دقيق وآلي لتعليمات رئيسه، فإنه لم يكن يتعاطى بشكل ايجابي مع المبادرات التي تطرح لتنقية الأجواء التصالحية بين العراق ومحيطه العربي والإسلامي، بل انه افتعل أزمة خلال القمة العربية في العام 2002 بسبب المبادرة التي طرحت من قبل الإمارات لتجنيب العراق مخاطر الحرب. تولى الدوري أثناء الحرب التي شنتها أميركا وبريطانيا على العراق في 20 أغسطس/ آب 2003 مسئولية القاطع الشمالي بعد أن قسم صدام البلاد إلى أربع قواطع، وقيل ان بغداد سقطت بعد أن انقطعت سبل الاتصال بين الدوري وصدام أثناءها وأنها القواطع الشمالية والجنوبية قاطع الفرات الأوسط. بعد سقوط النظام تمكن أن يقوي صلاته بالجماعات الإسلامية ومن ضمنها جماعة أنصار الإسلام الكردية التي كان يدعمها في السابق ويوظفها في إطار الضغط على الحزبين الكرديين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، ويبدو أن الدوري ومن خلال مسئوليته على القاطع الشمالي أثناء الحرب الأخيرة وبعد تعرض مواقع جماعة أنصار الإسلام للقصف الأميركي، سهل على عناصر هذه الجماعة بالذهاب إلى وسط وغرب البلاد.

واستفاد الدوري بعد ذلك من عناصر هذه الجماعة التي لها صلات بالأفغان العرب وبالجماعات الأصولية المتشددة لإقامة صلات بين تنظيمات «القاعدة» وبقايا نظام صدام. وكان الدوري قبل أشهر أعلن بيعته لأبي مصعب الزرقاوي للعمل معه في الساحة العراقية.

ويتردد أن الدوري كان يمول ويوفر المعلومات لجماعات المقاومة المسلحة في العراق. وكان أرسل رسالة إلى صدام بعد مقتل ولديه على يد القوات الأميركية في يوليو/ تموز 2003 متوعدا بالانتقام لهما. وروجت نشرات حزب البعث وبياناته السياسية أخيرا أن الدوري اختير «قائدا للحزب والمقاومة» بعد أن ألقي القبض على صدام من قبل القوات الأميركية أواخر العام الماضي.

ويعتقد أن الدوري بسبب نجاحه في إقامة الصلات بين التنظيمات الإسلامية المقاومة في العراق وتمويله لها وإدماج بقايا النظام السابق من البعثيين فيها وفر له ذلك إمكان التخفي طوال هذه الفترة من دون التمكن من إلقاء القبض عليه مع أنه يعاني من مرض اللوكيميا وهناك حاجة إلى تبديل دمه كل ستة أشهر. سيما أنه وأقرباءه أشاعوا عدة مرات موته، ومرات أخرى فراره إلى خارج العراق

العدد 732 - الإثنين 06 سبتمبر 2004م الموافق 21 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً