إنني لأعتبره نجاحا عظيما بالفعل أن معرض الكتاب في فرانكفورت نجح في أن يكسب العالم العربي بأجمعه ضيف شرف لهذا العام. ليس فقط لأنه تم عرض مشهد ثقافي ثري ومثير للإعجاب حقاً، وإنما أيضاً لأننا جميعاً حصلنا على الفرصة المهمة حتى نرى صورة العالم العربي في ضوء متجدد وأكثر تنوعاً وسعة.
وأعتقد أن هذا شيء ضروري جدا فعلاً، فلقد أصبحت التصورات الخاصة بالمجتمعات الشرقية في السنوات الأخيرة يصبغها أكثر فأكثر التشويه والأحكام المسبقة والعموميات الهوجاء. فكثيراً ما تظهر أحكام عامة جداً عن الإسلام ككل والمسلمين ككل بتسرع وبلا إدراك وتفكير وأحيانا عن جهل أيضاً، بدلاً من إدراك تنوع الإسلام وتعدد الثقافات والمجتمعات الشرقية.
لكن من يرغب في اتخاذ الحيطة من الأحكام المسبقة الخاطئة وأيضا المعادلات، عليه أن يكون مستعداً لرؤية التنوع. ولم ألحظ مكاناً أفضل من معرض الكتاب في فرانكفورت الذي ساهم في فهم أوسع للثقافات المختلفة. واسمحوا لي أن أشير إلى مثل عربي يقول: الكتاب مثل حديقة تحملها في جيبك.
إن العالمين الغربي والعربي يربطهما تاريخ طويل وهو في مجمله تاريخ مشترك أيضا. فالإسهامات الحضارية الهائلة للثقافة الإسلامية لا تُنكر، وتظهر واضحة حتى اليوم في مدن أوروبية مهمة عدة. فلقد كان العلماء العرب، المسلمون منهم وغير المسلمين، هم الذين منحوا العالم المفتاح إلى أكثر العلوم تقدما في القرون الوسطى. وينطبق هذا على الطب والكيمياء وعلم الفلك، بل وأيضا على إعادة اكتشاف الفلسفة الإغريقية. وفيما بعد كان الباحثون والعلماء في الغرب هم الذين عرفوا العالم الغربي بتطور إنجازات الصناعة والتقنية الحديثة، وقدموا مساهمات ثمينة للحفاظ على التراث العربي العظيم واكتشافه.
يوضح هذا أن التبادل الثقافي إذاً ليس علاقة أحادية الجانب، ولا يجب أن يكون كذلك إطلاقا. فعلينا لهذا السبب أن نواصل دعم الحوار بين مجتمعاتنا. وتقديم الأدب العربي في معرض الكتاب في فرانكفورت يعد إسهاماً مهماً في هذا الصدد. وليس آخرا فإنه مساهمة مهمة جدا، إذ إن التثقف والمعرفة المكتسبين بواسطة القراءة شرط مبدئي ليفهم بعضنا بعضاً بشكل أفضل، وأيضا حتى نتعلم من بعضنا بعضاً في عالم يتقارب أكثر فأكثر من يوم إلى آخر.
وأعتقد أنه لن يصبح من السهل توسيع الهوة بين العالمين العربي والغربي، حيثما يسود الفهم والانفتاح والتسامح وأيضا الفضول. ومن يستمر رغما عن ذلك في مثل هذه المحاولات، فإن علينا أن نواجهه بكل حزم كأناس تعلموا رؤية التنوع ويرغبون في التمسك به.
لاشك أن ضربات نيويورك وجربة وبالي ومدريد أو بيسلان أيقظت فينا الوعي المفجع بأن الإرهاب الدولي أحد أكبر التهديدات الموجهة إلى المجتمع الدولي. والإرهاب هو إعلان حرب ضد مجمل الحضارات في عالمنا. ولذلك فعلينا أن نقاومه أيضاً سوية. فالقضية هنا إذاً ليست صراع حضارات وإنما هي مكافحة الإرهاب. وإجمالاً فإن علينا أن نكون أكثر حيطة، قبل أن نفسر صراعات ما بأن مكونها الأساسي ثقافي، إذ إن العالم لا يتكون فقط من ثقافات بمعنى وحدات قائمة بذاتها وإنما يتكون من مجتمعات ودول وتحالفات دول. وما فتئ البشر هم المسئولون عما يفعلون، سواء فعلوا خيراً أم شراً. والقضية هي في جوهرها نضال بشأن الثقافة في عالمنا الواحد، والتسامح وكونية تطبيق حقوق الإنسان. هذا النضال علينا أن نخوضه بكل ما في متناول يدنا من تصميم، وذلك من أجل ثقافتنا المختلفة. وهذا يعني لجميع الدول، ومنها الدول العربية، الالتزام بنبذ الإرهابيين ومحتجزي الرهائن المتعصبين ومحاربتهم.
إن السلام والتنمية مرتبطان وهما وجهان لعملة واحدة. لا يسري هذا فقط على منطقة الشرقين الأوسط والأدنى. فلا تنمية بدون سلام. لكن بلا تنمية، دون الرفع من مستوى الرخاء وتحسين فرص الحياة للناس جميعا يستحيل أن يدوم السلام. إن النزاع في الشرق الأوسط الذي لم يُحل بعد، يتهدد الأمن والاستقرار ليس فقط في المنطقة وإنما في العالم كله. وعلى الإسرائيليين والفلسطينيين إنهاء حلقة العنف المفرغة هذه. وما ندركه هو أن النزاع لا يمكن أن يحل عسكريا وإنما حله سياسي فقط. إن الهدف المحدد في «خريطة الطريق» مازال ساريا: يجب أن توجد دولتان، «إسرائيل» وفلسطين، تستطيعان العيش في حدود آمنة ومعترف بها وفي علاقات جوار سليمة. وإعلان «إسرائيل» انسحابها من قطاع غزة كان خطوة أولى، وبالتأكيد خطوة مهمة، لكن ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى وذلك من الجانبين.
في العراق أيضا الأمر هو الاستقرار للبلاد والأمن لمنطقة بأكملها. ولهذا السبب ستستمر ألمانيا في المساهمة في استتباب الاستقرار في العراق وإعادة تعميره. فالموضوع ليس هو من كان على حق في تقييمه للنزاع، هذا أصبح جزءا يسيرا وإن كان بالتأكيد مهماً من التاريخ المعاصر. المسألة حاليا هي أننا نتحمل جميعا مسئولية تحقيق الاستقرار والديمقراطية في المنطقة. ولن يتم ذلك إلا إذا تمكّنا من خلق معطيات سلمية في العراق. وفي مشروع مشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة نقوم بتدريب عناصر من الشرطة العراقيين. ونحن نفعل ذلك حتى يستطيع الناس في هذا البلد أن يدافعوا عن أمنهم بأنفسهم. وإنني أعتقد أن تلك هي الطريقة الوحيدة لحل هذا النزاع. لكن على الدول العربية أيضا أن توظف علاقاتها الجيدة تقليديا مع شعب العراق لكي يفوز بالسلام وتصبح التنمية ممكنة هناك.
يقول البعض إن العالم العربي الموحد يعد وهماً، بسبب تنوعه وأيضا بسبب اختلاف المصالح. لكننا نلمح مؤشرات تبعث على الأمل لعمل مشترك أكثر فعالية في الفضاء العربي. وإنني أعتقد أن لجامعة الدول العربية دورا فائق الأهمية ووظيفة حاسمة في هذا الصدد. خلافا لذلك فإن علينا أن نوضح لأنفسنا مرة أخرى أن أوروبا الموحدة اليوم كانت منذ ما لا يتعدى 60 عاماً بالكاد أن تكون وهماً، إن وجدت إطلاقا. اليوم، وبعد الحروب المروعة في القرن الماضي، نعيش في أوروبا موحدة يسودها السلام والأمن، هنا يكمن السبب في أننا نحن الأوروبيين نأمل وننشد أن نساعد في المجهود الذي يرمي إلى أن تعاصر الشعوب في العالم العربي أيضا وفي مستقبل جد قريب، المصالحة بين دول كانت في السابق متعادية فيما بينها.
المستشار الالماني
العدد 772 - السبت 16 أكتوبر 2004م الموافق 02 رمضان 1425هـ