كان صلاح البارحة في زيارة لمنزل عمه الشيخ عباس. ولأن صلاح كان محبوبا ومقربا من عمه بفعل اخلاقه الحسنة وحبه للموعظة وسرعة التأثر بها فقد كان عمه يدعوه من وقت لآخر لزيارته، وكانت المناسبة هذه المرة هي مجيء شهر رمضان المبارك.
استأذن صلاح بعد ان طرق الباب، وجلس في زاوية من المجلس ينتظر عمه الذي كان صوت تلاوته للقرآن الكريم يأتي من داخل الدار. تناهى الصوت العذب والآيات الكريمة الى مسمع صلاح فتحدث في نفسه: ما أجمل القرآن وما أعذب آياته في هذه الايام المباركة. وراح يفكر في العلاقة الوطيدة بين القرآن وهذا الشهر الكريم والاثر البالغ الذي تتركه التلاوة على نفس المؤمن.
حديث عن الافطار...
فجأة، فتح الشيخ عباس باب المجلس وأخذ مكانه بجانب صلاح ليبدأ الحديث: كيف حالك مع الصوم يا ولدي؟ اجاب صلاح: الحمد لله، اشعر بلذة روحية كلما احسست بالجوع والعطش. سأله عمه ملاطفاً: ما مقدار شوقك الى لحظة الافطار؟ فقال صلاح ضاحكاً: آه... انها اجمل اللحظات. ربت عمه على كتفه قائلا: يا بني، البعض من الناس يسيء استغلال الافطار جرياً على قاعدة مفادها «الصوم... جوع في النهار وانتقام في الليل» وهذا بلا شك تصور خاطئ. والافطار ليس عادة عرفية بقدر ما هو من المستحبات المؤكدة التي نصت عليها السنة النبوية. واعلم انه يستحب تأخير الافطار الى ما بعد الصلاة، إلا اذا غلب على الصائم الضعف او كان له قوم ينتظرونه.
بينما كان الاثنان يتجاذبان اطراف الحديث قرع آذانهما صوت المؤذن. توقف الشيخ عن الحديث والتفت الى صلاح: هلُمّ بني كي نتوضأ ونذهب الى المسجد للصلاة، وبعد ذلك نأتي لتناول الافطار.
بعد الانتهاء من الصلاة جلسا ينتظران الافطار، فبادر صلاح مستفسراً: عمّاه... مادمت تحدثت عن سنة الافطار، فهلا ذكرت لي بعض آداب هذه السنة. قال له: نعم، ولكنني اخاف ان تقول «عزمنا على هالفطور وعوّر راسنا»؟ ضحك صلاح وحرك راسه بالنفي... فقال له: اولا، ينبغي على المؤمن ان يفطر بالحلال الخالي من الشبهات، سيما التمر، ليضاعف اجر صلاته اربعمئة ضعف كما جاء في الروايات، كما يحسن الافطار ايضا بأي من التمر والرطب والحلوى، والماء الدافئ.
واسترسل الشيخ عباس: كما يستحب للمؤمن عند الافطار ان يدعو بالدعوات المأثورة، ومنها ان يقول: «اللهم لك صمت وعلى رزقك فطرت وعليك توكلت» ليهب الله له مثل اجر كل من صام ذلك اليوم. بعدها صمت الشيخ عباس خشية ان يثقل على ابن اخيه فقال صلاح : وماذا بعد يا عم؟ تابع مادام الافطار لم يأت بعد. فتبسم الشيخ واضاف، كذلك يستحب للمؤمن ان يقرأ سورة القدر عند الافطار وان يقول في اول لقمة يأكلها :«بسم الله الرحمن الرحيم يا واسع المغفرة اغفر لي». وفي الحديث : ان الله يعتق في آخر ساعة من نهار كل يوم من شهر رمضان الف الف رقبة، فسل الله ان يجعلك منهم.
قال صلاح كنت اسمع بحديث يردده والدي دائما يقول «ان من فطّر صائماً فله اجر مثله». فرد الشيخ: نعم يا صلاح، ومن دون ان ينقص من اجره شيء. وقد ورد انه ينبغي على الصائم ان يتصدق عند الافطار ويفطر الصائمين ولو بشيء من التمر او بشربة من الماء، فإن لذلك فضل عظيم واجر كبير.
لحظات جميلة...
جاءت لحظة الافطار، فنظر صلاح الى المائدة وهو يخاطبها: كنت متشوقا بشراهة للانقضاض عليك لكن عمي «الله يخليه» منعني بكلامه الجميل من ذلك. ثم توجه الى عمه قائلا: والآن فلنبدأ التطبيق... ما رأيك يا عمي؟ ضحك الاثنان وراحا يتمتمان ببعض الاذكار، ثم بعد ذلك شرعا في تناول الافطار مع العائلة. والكل يشعر بسعادة غامرة بضيفهم الحبيب صلاح وبالحديث الشيق والمفيد الذي دار بينه وبين الشيخ
العدد 772 - السبت 16 أكتوبر 2004م الموافق 02 رمضان 1425هـ