يتثاءب رجال مسنون خارج محلات مغلقة ومطاعم خالية في قرى جنوب لبنان القريبة من الحدود مع إسرائيل. وقلما تشاهد على طرقه غير الممهدة سوى سيارة بين الحين والحين أو دورية لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تجوب المنطقة. ولايزال الإهمال سائداً في الجنوب بعد مرور عشر سنوات من إخراج قوات الاحتلال الإسرائيلي على أيدي مقاتلي حزب الله. ولا يوجد هناك سوى القليل من الوظائف. ويشكو سكان الجنوب من حكومة لا تعيرهم انتباهاً، ويخشون من أن حرباً جديدة قد تنشب. وفي أجواء كهذه لا يستثمر سوى الأكثر جرأة.
ويقول بعض الجنوبيين إن الأموال كانت أكثر وفرة إبان الاحتلال الإسرائيلي الذي دام 22 عاماً، حيث عمل بعض اللبنانيين في إسرائيل.
وتمتلك عائلة أبو حسين الشيعية مطعماً في قرية كفر كلا الحدودية منذ العام 1975 وعاصرت من ثم اضطرابات متعاقبة بدءاً من الصراعات بين المقاتلين الفلسطينيين والميليشيات المسيحية وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي ثم «التحرير» في العام 2000 ومؤخراً الحرب التي شنتها إسرائيل في العام 2006 ضد مقاتلي حزب الله.
وقال أبو حسين لرويترز وهو جالس في مطعمه الخالي «إن الفترة الأكثر رخاء بالنسبة للمطعم كانت بين عامي 1982 و2000. وتزين رموز دينية شيعية المطعم الذي يقع على بعد أمتار قليلة من سياج حدودي يرفرف من ورائه علم إسرائيل.
ويضع أبو حسين لافتة بالإسبانية خارج المطعم في محاولة لجذب زبائن من وحدة حفظ السلام الإسبانية العاملة في المنطقة. وقال «بعد (الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000) تراجع النشاط حقيقة. وتراجع بنسبة 80 في المئة. ففي يوم جيد يمكنني أن أحقق 130 دولاراً بينما كنا نحقق من قبل 400 دولار».
واستطرد قائلاً «كنا نتوقع ازدهار المنطقة بعد التحرير. ولكن الحكومة لاتزال تنسانا الآن مثلما نسيتنا إبان الاحتلال».
وينحو كثيرون من أبناء الجنوب الذين دمرت سبل عيشهم باللائمة على حكومة بيروت التي تدعمها الولايات المتحدة لتقاعسها عن ضخ الأموال للإعمار والتنمية.
ومن غير المرجح أن يشهد الجنوب الذي لم يكن قط أولوية بالنسبة للحكومة الكثير من إنفاق ميزانية قدرها 12.3 مليار دولار شهدت زيادة بنسبة 14 في المئة عن العام الماضي. وازدهر الاقتصاد اللبناني في السنوات القليلة الماضية، ولكنه مقيد بدين قدره 51 مليار دولار.
ويشعر الجنوبيون باستياء من إهمال الدولة، وكثيراً ما يقارنون ذلك بالخدمات الاجتماعية التي يقدمها حزب الله.
وظلت المنطقة هادئة إلى حد كبير منذ العام 2006، حيث تراقب الحدود قوات من الأمم المتحدة والجيش اللبناني. ولكن مزاعم إسرائيلية لم تثبت أن سورية نقلت إلى حزب الله صواريخ سكود طويلة المدى أثارت شائعات عن نشوب حرب.
وتبادلت إسرائيل وحزب الله التهديدات رغم أن كليهما يصر على أنه لا يسعى لحرب أخرى.
وإحدى نقاط الاشتعال مزارع شبعا. وهي مساحة صغيرة يطالب بها لبنان ولكن إسرائيل لاتزال تحتلها وتقول إنها أرض سورية.
ويزرع المزارعون في التلال الوديعة في جنوب لبنان المورقة والخضراء في الربيع التبغ والموالح والموز منذ فترة طويلة، ولكن لا توجد مصانع للتصنيع الغذائي لتوفر مزيدا من الوظائف.
وهاجر كثير من المغامرين من أبناء الجنوب إلى غرب إفريقيا للعمل كتجار أو رجال صناعة وخصوصاً في قطاع التعدين الثري. ولكن كان يتعين على غالبيتهم العظمى أن يتكيفوا بأفضل ما يمكنهم مع الحروب التي تنشب بشكل متقطع والسلام المتوتر وكثرة انقطاع الكهرباء.
وفي قرية الخيام الحدودية يحاول التجار أن يبيعوا الملابس الرخيصة والسلع البلاستيكية في أسواق أسبوعية. وبعد الظهر يحزم عشرات البائعين بأسى بضاعتهم التي لم يبع معظمها.
قال أبو علي حسن بينما زميله يهز رأسه مؤيداً «قبل التحرير كنت أعمل سائق سيارة أجرة. وقبل عامين افتتحت متجراً للأحذية. وكما ترون فإننا لا نفعل شيئاً سوى مطاردة الذباب».
وقال قبلان قبلان الذي يرأس مجلس الجنوب وهو وكالة حكومية للتنمية إنه يتعين على الدولة أن تفتح مصانع وأن تمنح إعفاءات ضريبية للمستثمرين.
وخصص نحو 40 مليون دولار للمجلس في الميزانية الحالية، ولكن قبلان يقول إنه لم يحصل سوى على ثلث المبلغ. واشتكى قبلان من أنه لا يوجد في الجنوب فرص عمل ولا سياحة ولا صناعة. وتساءل من بيروت عمن سيبدأ مشروعاً في الجنوب بينما يتعين عليه أن يدفع مقابل استغلال المرافق أسعاراً كالتي يدفعها في بيروت.
ولكن في قلب الركود الاقتصادي السائد في الجنوب هناك نقاط مشرقة على غير توقع قدمها بعض المستثمرين الجسورين.
من هؤلاء خليل عبدالله (58 عاماً) الذي ترك حياة في أبيدجان ليبني منتجعاً سياحياً على أرضه على ضفاف نهر الوزاني على طول «الخط الأزرق» خط الحدود بين إسرائيل ولبنان الذي رسمته الأمم المتحدة.
وضخ المقاول هو وشركاؤه ثلاثة ملايين دولار في منتجع على مساحة 50 ألف متر مربع يضم حمامات للسباحة وشاليهات ومطاعم ومركزاً للمؤتمرات وصالة للأفراح.
وفي منتجع «قرية قلعة الوزاني السياحية» بشاليهاتها المسقوفة بالقش ومبانيها ذات الطراز المغربي يمكن للزوار تناول الغداء على ضفاف النهر تحت سفوح هضبة الجولان السورية القريبة التي تحتلها إسرائيل.
وأحياناً يغامر الجنود الإسرائيليون بعبور الحدود لينظروا بفضول إلى رافعات البناء. ويرفض عبدالله المخاوف من أن إطلاق النار قد يستأنف.
وقال «إذا ظللنا نتحدث عما إذا كانت الحرب ستندلع أم لا... لن يفعل أحد شيئاً».
العدد 2809 - السبت 15 مايو 2010م الموافق 01 جمادى الآخرة 1431هـ