ظهر مركز البحرين الشبابي بجمعية الوفاق الوطني الإسلامية في سياق الكثير من التنظيمات والأطر الشبابية التي انطلقت في فضاء الانفراج الأمني الذي عاشته البلاد في السنوات الأخيرة. في زحمة التنظيمات والتجمعات الشبابية نال المركز الشبابي - وبمجرد نشأته منذ عام ونيف - اهتمام الكثير من المثقفين والمتابعين للوضع الوطني العام أو الوضع الشبابي الخاص، وذلك لسببين رئيسيين، الأول: ارتباط المركز بجمعية الوفاق صاحبة تيار الانتفاضة المترامي الأطراف والمكون في أكثريته من فئة الشباب الذي اتصف طيلة الانتفاضة بالتضحية والإرادة والثبات. أما السبب الثاني: فهو تصدي المركز الشبابي للكثير من الملفات الشبابية والطلابية التي ربما انفرد ببعضها وتميز موقفه من بعضها الآخر.
ويمر المركز البحرين الشبابي هذه الأيام بجولات ذهاب وإياب مليئة بالحوار والتنظير لن تنتهي على ما يبدو إلا بظهور نتائج انتخابات إدارته الجديدة، هذا النشاط الشبابي الجميل في المركز الشبابي هذه الأيام حفزني لإعادة قراءة أدائه بموضوعية وتأني لأخرج بهذه الرؤية للمركز الشبابي ولأحواله وظروفه المحيطة:
المركز إدارياً
على رغم أن المركز أسس وعلامته الفارقة أنه الجناح الشبابي لجمعية الوفاق، فإن ذلك لم يحل من دون أن يكون المركز الشبابي مستقلا في تنظيمه النقابي وقراره الإداري، فالمركز الشبابي في صوغه مستقل إداريا استقلالا كاملا عن الوفاق المؤسسة فجمعيته العمومية منفصلة عن عمومية الوفاق ولا تلزمك العضوية في إحداهما بالعضوية في الأخرى، ومن خلال عمومية المركز فقط تكون الإدارة واللجان التنفيذية والقرارات الرئيسية، ولا أدل على استقلالية المركز الشبابي من أنه اتخذ قرار المشاركة في انتخابات مجلس طلبة جامعة البحرين غير مرة على رغم أجواء المقاطعة المخيمة على مشاعر الوفاق كمؤسسة وجماهيرها الممتدة. بيد أن هذه الاستقلالية لم تعطِ أكلها فيما يرتبط بالتغطية المالية لمشروعات وفعاليات المركز الشبابي إذ إنه لايزال يعتمد في الأعم الأغلب على مجلس إدارة جمعية الوفاق لتغطية نفقات فعالياته وبرامجه المختلفة.
المركز والتأهيل النقابي
لعل عامل التأهيل النقابي أضاف كثيرا لثقافة العمل في المركز الشبابي ليعطيه تلك الاستقلالية التي تحدثنا عنها سابقا، فلقد كانت دورات التأهيل النقابي المرتبطة بمهارات العمل الجماعي والمفاهيم القانونية والدستورية رصاصة انطلاقة عمل المركز الشبابي واستمر المركز في أطروحته على هذا المستوى طيلة الثلاثة شهور الأولى، وبذلك كانت بدايته مؤسسة له مهيأة لاتساعه وخوضه التجربة بأكبر قدر ممكن من المهارة وحسن الأداء.
المركز الشبابي أضحى ثقافياً
إن أكثر ما تميز به المركز الشبابي توجهه الثقافي الواسع، فلقد قدم المركز وخلال عام واحد سلة مزدحمة بالبرامج والفعاليات الثقافية، فتارة برامجه كتب ثقافية ونقدية يعرضها شبابه «برامج قراءة في كتاب»، وتارة أخرى نجده مهتما بالجوانب الاجتماعية والهموم الأسرية، والمتربع في سلته الثقافية «موسم الشهيد الصدر» إذ تم من خلاله طرح التراث الفكري والمعرفي للشهيد الصدر في أبعاده السياسية والفكرية والقرآنية والاقتصادية مستفيدا - أي المركز - من كتبه وبحوثه المتوافرة، ومن خلال تلامذته في البحرين كفضيلة الشيخ عيسى أحمد قاسم وفضيلة السيدعبدالله الغريفي.
يشار إلى أن البرامج الثقافية قد تلون بها المركز الشبابي حتى خيل للبعض أنه ثقافي التحرك والوجهة لا غير، هذا الأمر ربط المركز الشبابي كثيرا بالنخبة المثقفة والمهتمة بالجوانب الفكرية والعلمية من الشباب ولكنه من جهة أخرى ساهم بغير قصد في بناء حاجز نفسي بين المركز وشريحة واسعة من الشباب الذين ليست لهم اهتمامات ثقافية بالمعنى الحقيقي.
المركز ومشروعه الطلابي
بدا المركز الشبابي في خضم التجمعات الشبابية الأخرى وكأنه الجهة المناطة بها الشئون الطلابية من دون غيرها، فلقد تمثل المركز دور الجهة الممثلة لشريحة واسعة من الطلبة في بياناته وخطاباته ومواقفه المختلفة، كما أن دور المركز بارز ولايزال في ما يرتبط بمشروع الاتحاد الطلابي، وله عضوية في اللجنة التحضيرية لمشروع الاتحاد التي لاتزال في مرحلة الإعداد، ولم يكتفِ بذلك فلقد أوعز إلى تأسيس «قائمة الطالب أولا» في جامعة البحرين لتتحدث عن هموم الطلبة وقضاياهم من خلال مجلس الطلبة والمواقع الطلابية الأخرى. وكانت له صلاته الأخرى بطلاب المرحلة الثانوية وطلاب المعاهد وكذلك الطلبة البحرينيين الدارسين في الخارج مضيفا على ذلك كله برنامج يوم التهيئة للطلبة والطالبات المستجدين في المعاهد والجامعات ليهيئهم للمرحلة الدراسية الجديدة ويعينهم على تخطي الصعاب وتجاوزها.
المركز والتجمعات الموازية
سعى المركز الشبابي لتأسيس علاقات ودية مع مختلف التجمعات الشبابية، وحاول جاهدا أن ينظم الكثير من الفعاليات المشتركة مع تلك التجمعات، فكانت نتيجة تلك المساعي احتفالات بذكرى الاستقلال وبرامج إسلامية مع بعض التجمعات، وتلبية دعوات بالمشاركة في مسابقات ودورات التنظيمات الشبابية الأخرى. مع أن مساعي المركز الشبابي جادة في اتجاه علاقات متينة إلا أن الصلات التي تأسست لم تكن بالمستوى المطلوب لأسباب عدة أهمها، أولا: ارتباط المركز بالوفاق المؤسسة جعل بعض الاتجاهات الشبابية القريبة من السلطة والاتجاهات الشبابية الإسلامية السنية تتردد في بناء علاقة متينة مع المركز الشبابي وذلك لأنها فهمته على أنه ضمن الاتجاه المعارض وبالتالي لا يمكن أن يكون مشروعه منسجما مع مشروعها.
ثانياً: الفشل الذي تعرض له المركز الشبابي في تسويق نفسه إعلامياً، فالكثير الكثير من فعالياته وبرامجه لم تتم تغطيتها إعلاميا أو إذا تمت تغطيتها تكون التغطية هامشية لا ترقى إلى مستوى البرنامج وحجمه، ولعل أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ذلك افتقاد برامج المركز لأسباب جذب الصحافة ولفت انتباهها. ثالثا: قائمة «الطالب أولا» وتمكنها من حجز غالبية مقاعد الانتخاب المباشر، ربما أنتج ذلك ردت فعل ملمحها الريبة والحذر اتجاه قائمة «الطالب أولا» والمركز من ورائها، ساعد على ذلك موقف إدارة الجامعة المنزعج من وجود القائمة وحراكها والذي وصفها بالكثير من الأحيان بأنها طائفية.
المركز الشبابي في دائرة التيار
عمد المركز الشبابي ومنذ البداية إلى تثبيت نفسه ضمن خريطة التيار الإسلامي الوفاقي من خلال وسائل متعددة، تضمنت التواصل والحوار مع المؤسسة الحوزوية ورموزها الدينية، بالإضافة إلى مشاركة جمعية التوعية الإسلامية في مشروعها وفعالياتها الضخمة، وكذلك عملية تنظيم الفعاليات المشتركة بين المركز الشبابي واللجان الثقافية والحيوية في القرى والمناطق المختلفة. إلا أن ذلك الجهد كله لم يكن مجزيا على ما يبدو، وخصوصا إذا عرفنا أن حديثا يدور في أروقة جمعية التوعية الإسلامية عن تنظيم مشروع شبابي في الجمعية، وهي ذات وزن شعبي لا يستهان به، وبالتالي قد يكون ذلك المشروع إذا ما خرج على السطح رقما جديدا يحرك توازنات التنظيمات الشبابية بصورة عامة ويقتسم تحديدا مع المركز الشبابي دوره في تمثيل التيار الإسلامي الشيعي.
المرأة وموقعها
مزايد من لا يقر أن المرأة عنصر ثانوي في معظم التجمعات والتنظيمات الأهلية منها والرسمية، ويبرز ذلك بصورة أكبر في المؤسسات الإسلامية السنية والشيعية. وهنا تألق المركز الشبابي كأحد الاتجاهات التي برزت عنده المرأة أيما بروز، فلقد كان له فخر أنه أول من أوصل امرأة بالانتخاب إلى عضوية مجلس منتخب، فبعد فشل المرأة في البلديات ومجلس النواب تمكنت قائمة «الطالب أولا» الممثلة للمركز الشبابي في جامعة البحرين من إيصال الطالبة دعاء آل مساعد لعضوية مجلس طلبة جامعة البحرين ضمن المجموعة التي أدخلتها، هذا الإنجاز أسس إلى وضع أفضل للفتاة في الجامعة وأنشطتها الطلابية، ولقد ترتب عليه أن يكون نصف أعضاء مجلس الطلبة اليوم تقريبا فتيات.
وليس انتصار المركز الشبابي للمرأة في هذه الجنبة وحسب، فلقد كانت موجودة في إدارته المنتخبة إذ هنالك ثلاث عضوات من اصل سبعة هم مجموع أعضاء مجلس إدارة المركز الشبابي، كما أن التعديلات الأخيرة في النظام الأساسي والتي أقرتها الجمعية العمومية للمركز تنص على كوتا مقدارها مقعدون يكونان للفتيات بغض النظر عن الأصوات التي يحصدنها، والفتيات في المركز إلى جانب الشباب موجودات في جميع لجان المركز فضلا عن لجنتهن الخاصة بهن والتي من خلالها كانت لهن الكثير من الفعاليات والبرامج التي لم تخلُ من حس التجديد والإبداع.
المركز الشبابي والقضايا السياسية
لعل القارئ يتوقع مني أن أسهب في الحديث عن إنجازات سياسية واسعة شارك في إنتاجها المركز الشبابي ولكن واقع الأمر خلاف ذلك تماماً. فعلى رغم أن المركز الشبابي يتخذ من الوفاق راعياً له ومن مقرها مسرحا لفعالياته وأنشطته إلا أنه لا يكاد يتعاطى السياسة إلا في حدود ضيقة. فقائمة «الطالب أولا» التي أسسها لا بنود سياسية ضمن أجندتها المكتفية بالهموم الطلابية، وبرامج المركز الشبابي في معظمها تخلو من الحس السياسي، أما فعاليات الوفاق السياسية المختلفة فموقف المركز منها لا يتجاوز حال الفرجة باستثناء بعض المحطات السياسية التي مرت بها الجمعية كالعريضة الشعبية التي تم تدشينها على أنها مسألة تاريخية توجب الوطنية على الإنسان أن يتعاطى معها ويدعمها.
وعلى ذلك ينقسم المهتمون بهذا الموضوع إلى قسمين، الأول: يرى في ذلك تقصيراً جلياً من المركز الشبابي في اتخاذ دوره الطبيعي بدعم أنشطة الوفاق السياسية، أما القسم الثاني: فيرى أن محاكاة المركز الشبابي لأنشطة الوفاق السياسية قد يفقده استقلاليته، ثم أن برامج المركز وفعالياته ذات التوجه الثقافي أيضا لها أهميتها وخصوصا ضمن الأمد البعيد.
تبقى تجربة المركز الشبابي جميلة في حيويتها، مثيرة في تجاذباتها، حري بكل ذوي الاهتمام الشبابي والطلابي أن يقرأوها ويتعرفوا على مجرياتها ونتائجها الإيجابية والسلبية، كما أظنها نموذجاً راقياً تحتاجه المؤسسات الإسلامية المختلفة التي مع قدم بعضها ومع تجربة روادها أظنها تفتقد إلى أشياء عدة موجودة بالمركز الشبابي بجمعية الوفاق الوطني الإسلامية. * عضو مجلس طلبة جامعة البحرين
العدد 794 - الأحد 07 نوفمبر 2004م الموافق 24 رمضان 1425هـ