أثار سفك الدماء المأساوي على متن سفينة الإغاثة «ماي مرمرة»، وهو أمر له ما يبرره، انتقادات حول استخدام إسرائيل للقوة ضد سكان مدنيين. كما أدى ذلك، ولو بشكل متأخر إلى حد ما، إلى إعادة تركيز اهتمام المجتمع الدولي على الحاجة لإنهاء حصار غزة بشكل فوري.
نُقِل عن رئيسة مجموعة الأزمات الدولية لويز أربور، وهي منظمة غير حكومية مكرّسة لمنع النزاع القاتل وحله، قولها في صحيفة الإندبندنت: «من السهل إدانة هجوم إسرائيل على أسطول الإغاثة المتوجّه إلى غزة على أنه غير ضروري، وأنه فكرة خاطئة وأنه غير متكافئ. الأمر الأصعب، والواجب عمله الآن، هو فهم كيف يشكّل هذا الحادث إدانة لسياسة أوسع نحو غزة يتحمل المجتمع الدولي على اتساعه مسئوليتها». إلا أن نقاش السيدة أربور لا يذهب إلى الحد الكافي لإدراك أن سفك الدماء الأخير يشكّل أيضاً إدانة لفشل المجتمع الدولي في وضع الأولويات واتباع عملية سلام عادلة.
يشكّل رفع الحصار عن سكان غزة البالغ عددهم 1,8 مليون شخص خطوة ضرورية جداً، مثله مثل تحقيق مستقل كامل حول ما حصل على متن سفن أسطول الإغاثة، إلا أن كليهما جزء لا يتجزأ من الحاجة الأكثر إلحاحاً بإنهاء النزاع المستمر منذ 62 سنة.
ما نحن بحاجة إليه الآن، وبالذات في الوقت الذي يبدو فيه ذلك أبعد احتمالاً، هو الاستئناف الفوري لمحادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
بدلاً من أن يشكّل فرصة أخرى لتبادل اللغو السياسي الناري والمزيد من ترسيخ الخلافات بين مجتمعين مستقطبين أصلاً، فلنجعل من مصرع الضحايا على متن «الماي مرمرة» قوة الاندفاع الضرورية لإقناع كل من الفلسطينيين والإسرائيليين بالعودة إلى طاولة المفاوضات بشكل نهائي.
إلا أنه ولسوء الحظ، لا تقترح ردود فعل الوسطاء من الدول العظمى مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا تجاه أعمال القتل على متن أسطول الإغاثة سوى القليل من التغيير في الوضع الراهن. تعتبر التعليقات المخففة، مثل التعبير عن «الأسف العميق» من جانب أوتاوا وواشنطن، ذات نتائج عكسية وتشير إلى عدم الاستعداد لتقديم بيان محدد حول تحريك عملية السلام قدماً. لم تفعل حتى الأمم المتحدة سوى إدانة «التصرفات» على متن سفن أسطول الإغاثة بتعابير غامضة ضبابية والحثّ على إجراء تحقيق «يلتزم بالمعايير الدولية».
لم تذكر سوى دول قليلة الحاجة لحوار بنّاء. وبينما يزداد غليان العواطف سوف تتوقف محادثات السلام غير المباشرة التي أطلقت قبل أسابيع قليلة. ولكن كما أشار الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي قبل أيام قليلة: «لا يمكن تحقيق السلام الدائم والأمن في المنطقة إلا من خلال الحوار السلمي وليس من خلال استخدام القوة».
بقيت الدول الغربية والعربية صامتة إلى حد بعيد عبر عقود من العنف والمعاناة المروّعين. إلا أنه يتوجب عليها الآن أن تجد صوتها. فهي ليست فقط متواطئة مع مأساة يوم الاثنين وإنما كذلك في الفشل في تحقيق السلام. فالطريق نحو سلام دائم وعادل، كما تشهد أعداد كبيرة من المفاوضات الفاشلة، مليء بالعراقيل. إلا أن الصعوبات يمكن بل ويجب التغلب عليها.
ليس العنف وتوجيه أصابع الاتهام أموراً مستدامة، ولن تتم حماية حقوق الفلسطينيين وتوفير الضمانات للإسرائيليين إلى من خلال اتفاق حاسم. يتوجب على الطرفين قبول حتمية السلام والتعايش ويتوجب على المجتمع الدولي أن يساعدهما على تحقيق ذلك.
تتحمل الولايات المتحدة، الصديق الأقرب لإسرائيل، مسئولية لعب الدور الأكبر في الحث على إجراء المفاوضات. عندما خاطب الرئيس الأميركي باراك أوباما العالم المسلم من القاهرة، السنة الماضية وتعهّد بالسعي لتحقيق عهد جديد في العلاقات، حصل على إطراء الفلسطينيين لأنه وضع لهجة سياسية أميركية أكثر توازناً في الشرق الأوسط. لقد حان الوقت الآن لاستغلال الفرصة للالتزام بكلماته.
إذا كان هناك أي شيء يمكن الاستفادة منه نتيجة لسقوط ضحايا أسطول الإغاثة من قتلى وجرحى فهو أنهم سوف يشكّلون رمزاً لخطة حرجة لإعادة تنشيط جهود السلام.
إذا جرت إضاعة فرص التسوية السلمية فسوف يصبح حتمياً أن تستمر هذه المواجهات الدموية. لنأمل أن يدفع الغضب الدولي من هذا العنف غير المنطقي والذي يمكن تجنبه، العالم نحو المطالبة بنهاية لسفك الدماء والحقد اللذين أديا إليه من حيث المبدأ، والعمل إلى جانب كل من الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل حل مستدام وبنّاء
العدد 2837 - السبت 12 يونيو 2010م الموافق 29 جمادى الآخرة 1431هـ