هل يأتي يوم نرى فيه الإمارات وقد تصدرت قائمة الدول في الزراعة العضوية... مثلما عودتنا تحطيم العديد من الأرقام القياسية؟
الطبيعة الصحراوية القاسية والظروف المناخية الصعبة وقلة مصادر المياه لم تَحُلْ دون تحقيق الإمارات العربية المتحدة إنجازات كبيرة في قطاع الزراعة. وهي تواصل مسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال في هذا الصدد: «أعطوني زراعة... أعطكم حضارة».
ففي إطار سياستها الهادفة إلى تشجيع الزراعة، عملت الدولة على تأمين ما يلزم للعمل في هذا المجال. من ذلك: إقامة المشاريع العمرانية التي توفر المساكن الحديثة للمزارعين، تشييد البنية التحتية اللازمة في المناطق الزراعية من طرق وجسور وكهرباء وماء وغير ذلك، تحضير الأراضي الزراعية وتوزيعها مجاناً على المواطنين، منح الضمانات المالية والقروض الميسرة لشراء المعدات والأسمدة والبذور، توفير المشورة الفنية والعلمية من مهندسين زراعيين، وشراء الدولة للمحصول من المزارع.
أدت هذه التدابير إلى تشجيع الزراعة وزيادة عدد المزارع من 319 مزرعة العام 1971 إلى 25 ألف مزرعة العام 1998، وصولاً إلى أكثر من 42 ألف مزرعة العام 2008. وساهم ذلك في الحد من الهجرة إلى المدن، وتأمين نسبة لا بأس بها من الخضار والفواكه الطازجة للأسواق المحلية.
تحول إلى الزراعة العضوية
بدأ الاهتمام بالزراعة العضوية في الإمارات العام 2004، بنشاطات فردية لبعض المزارع. ومن ثم لقي اهتماماً رسمياً وشعبياً، بعدما تبنت وزارة البيئة والمياه (وزارة الزراعة والثروة السمكية سابقاً) الزراعة العضوية كمنحى جديد تدعمه وتوفر له سبل النمو. وعرّفتها الوزارة بأنها نظام زراعي يعتمد على استخدام المواد الطبيعية البيولوجية في الزراعة بدلاً من الأسمدة الكيميائية والمبيدات ومواد المكافحة الضارة بالصحة العامة، ولا يسمح فيه باستخدام السلالات والكائنات المحورة وراثياً والإشعاع المؤين والمواد الحافظة في عمليات التصنيع والإعداد والتعليب، وبالتالي تصل المواد الغذائية إلى المستهلك بحالتها الطبيعية. ويحتاج الإنتاج إلى فترة تحول من الزراعة الكيميائية إلى الزراعة العضوية، وعمليات تفتيش وتصديق لأماكن الإنتاج، للتأكد من توفر الشروط والمعايير ولضمان حقوق المنتج والمستهلك، وفق شروط محددة وضعتها الوزارة.
وقال ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: «إننا ندرك الأهمية الحيوية لبناء قطاع حديث ومتقدم للزراعة العضوية، للحصول على محصول زراعي متميز ومستدام مبني على التوازن بين سلامة البشر والتربة والمحافظة على البيئة والموارد المائية، بدلاً من استيراده بمبالغ باهظة».
وتمثل هذا القول فعلاً في الاهتمام الحكومي في جميع إمارات الدولة. فعقدت ندوات وورش عمل تهدف إلى بناء قاعدة أساسية لإنتاج المواد العضوية وتسويقها، مثل مهرجان فنون الطهي في أبوظبي 2010 الذي شهد ندوة حول أهمية الأطعمة العضوية. وأقيمت معارض دولية، منها معرض الشرق الأوسط للمنتجات الطبيعية والعضوية ومعرض أغرا الشرق الأوسط للأعمال الزراعية اللذان أقيما في دبي، وكذلك معرض ليوا الزراعي الذي سجل حضوراً لافتاً للمنتجات العضوية.
وأنشئت مراكز متخصصة، منها مركز الزراعة العضوية في أبوظبي الذي تم تأسيسه بقرار العام 2006، ويهدف إلى تشجيع هذه الزراعة في الإمارة من خلال توفير الدعم التقني وتطوير الممارسات العضوية، وليصبح المركز مرجعاً متخصصاً في المناطق ذات المناخ الجاف وخصوصاً الشرق الأوسط. كما أنشئت مزارع للإنتاج العضوي تابعة للدولة في العديد من الإمارات، منها «مزارع أبوظبي العضوية» التي دخلت مرحلة الإنتاج الكامل العام 2008 وتنتج أنواع الفواكه والخضار واللحوم ومشتقات الألبان. كما قرر قطاع الزراعة في دائرة الشؤون البلدية في مدينة العين تحويل مركز الأبحاث الزراعية في العين، البالغة مساحته 55 هكتاراً، إلى الزراعة العضوية المكشوفة خلال ثلاث سنوات، وإدخال محاصيل خضار جديدة في الموسم الزراعي 2009 ـ 2010.
وتدعم المؤسسات الحكومية الأبحاث والتجارب المتعلقة بالإنتاج العضوي. على سبيل المثال، قدمت «مؤسسة الإمارات» مليون درهم (272 ألف دولار) مساهمة في تمويل ستة أبحاث جديدة في كلية الأغذية والزراعة بجامعة الإمارات لتقييم واقع ومستقبل الزراعة العضوية في الدولة. وهناك تعاون في نقل الخبرات والاستشارات العالمية إلى الإمارات، وخصوصاً مع الاتحاد الدولي لحركات الزراعة العضوية (IFOAM) ورابطة التجارة بالسلع العضوية (OTA) ومنظمة التجارة الخضراء (Green trade). وقد أنشئت وحدة خاصة بالزراعة العضوية في وزارة البيئة والمياه. وتمنح الوزارة رخصاً رسمية للإنتاج الزراعي العضوي، وشهادة منتج عضوي للمزارع التي تم تسجيلها، مع مراقبتها دورياً من قبل اختصاصيين. كما تصدر نشرات علمية وبوسترات ترويجية تشرح فوائد الزراعة العضوية.
كان النشاط على صعيد المؤسسات الخاصة متنوعاً. فتم افتتاح العديد من الشركات والجمعيات العاملة بالمنتجات العضوية. على سبيل المثال، أعلنت شركة اليسرة للأغذية المتخصصة بالمواد الغذائية العضوية، افتتاح المقر الإقليمي لتوزيع منتجاتها في دبي، في إطار خطتها للتوسع في أسواق المنطقة. وأعلنت جمعية Soil Association البريطانية اعتزامها إقامة مؤسسة لاعتماد وترخيص الأغذية العضوية في المنطقة.
وهناك العديد من الشركات والمؤسسات الزراعية الخاصة التي تستورد مستلزمات الزراعة العضوية، ومنها شركة Organic line التي تؤمن الأسمدة والمبيدات العضوية المنشأ. كما تم افتتاح العديد من المطاعم والمقاهي التي تقدم منتجات غذائية عضوية.
وقام العديد من أصحاب المزارع الخاصة بتسجيل مزارعهم لدى وزارة البيئة والمياه كمزارع إنتاج عضوي. وخصص آخرون مساحات واسعة من مزارعهم للزراعات العضوية. وتم تحويل عدد كبير من مزارع النخيل الثمري إلى مزارع عضوية لإنتاج التمور العضوية. على سبيل المثال، قررت «شركة الفوعة» تحويل مزرعة الفوعة من نظام الزراعة التقليدية إلى الزراعة العضوية ابتداء من أيار/ مايو 2005، من خلال التعاقد مع شركة Ecocert للقيام بإجراءات التفتيش والتصديق، مما سيجعلها أكبر مزرعة نخيل عضوية في العالم بمساحة 1321 هكتاراً.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت تظهر محلات بيع الأغذية والمنتجات العضوية في أسواق الإمارات، وبشكل سريع وصل عددها إلى أكثر من 2850 متجراً ومؤسسة ومركزاً، منها 45 متجراً لبيع هذه المنتجات على مستوى الدولة.
العدد 2871 - الجمعة 16 يوليو 2010م الموافق 03 شعبان 1431هـ