العدد 2879 - السبت 24 يوليو 2010م الموافق 11 شعبان 1431هـ

نصر حامد أبوزيد: فقدانه خسارة عظيمة... وإلهامه إثراءٌ لنا

رون فايرستون * أستاذ في اليهودية والإسلام في العصور الوسطى بكلية الاتحاد اليهودية والمدير المشارك ف 

24 يوليو 2010

خمد نور عالم ناقد في الإسلام قبل فترة وجيزة هذا الشهر في القاهرة بوفاة نصر حامد أبو زيد يوم 5 يوليو/ تموز. قابلته الربيع الماضي فقط في مؤتمر «القرآن ومضمونه التاريخي» الدولي الذي عقد بجامعة نوتردام، حيث ألقى مع عبد الكريم سوروش، الفيلسوف والمفكر الإيراني المعاصر الكبير المحاضرتين الرئيسيتين المفصّلتين فكرياً إلى أبعد الحدود والمثيرتين للعاطفة، وهما أفضل محاضرتين سمعتهما في مؤتمر أكاديمي حتى اليوم.

يمثل هذان المسلمان ذروة التعبير الفكري والأخلاقي في أية أمّة مؤمنة أعرفها.

المؤسف أن نصر حامد أبوزيد معروف نتيجة لمحاكمته في محكمة مدنية في القاهرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي وإدانته «بالارتداد عن الإسلام»، حيث أجبر بعد ذلك على تطليق زوجته الحبيبة قبل هروبه من مصر إلى الغرب.

لم يكن بالطبع مرتداً وإنما مؤمناً حقيقياً مثّل على أفضل وجه الحياة الفكرية والروحية للعالم الكلاسيكي المسلم الذي جمع بين الخبرة في الفقه والبلاغة وتفسير القرآن.

ومثله مثل ابن سينا، عالم الرياضيات من القرن الحادي عشر وابن رشد ومعاصريهم الحاخام والفيلسوف اليهودي ابن ميمون وراهب القرن الثالث عشر الإيطالي توماس اكويناس المسيحي، أصرّ أبوزيد على تطبيق الفكر الناقد في علم الدين، بل وما يجد المؤمنون صعوبة كبرى في رؤيته في هذا الضوء: الرؤيا الإلهية.

نتيجة لذلك اضطر أبوزيد للمعاناة من النتائج، ولكن ليس لأنه مسلم أو لأن الإسلام لا يسمح بالنقد الذاتي. واقع الأمر أنه كان وبشكل منهجي أحد نواتج العالم المسلم المعاصر. حصل أبوزيد على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة باللغة العربية والدراسات الإسلامية، ليس من السوربون أو أكسفورد أو برنستون. نشأ وعاش حياته كلها في وطنه مصر إلى أن اضطر للجوء إلى المنفى العام 1995.

لو أنه عاش أثناء حقبة أخرى في العالم المسلم لكانت حياته مختلفة، ففي الوقت الذي كان فيه الغرب منشغلاً بالحروب الصليبية أنتج العالم المسلم علماء بارزين مثل عالم الدين الصوفي والشاعر الكبير جلال الدين الرومي، وأعظم عالم نباتات وصيدلاني من القرون الوسطى عبدالله ابن البيطار والطبيب ابن النفيس الذي اكتشف دور شرايين القلب والذي قام مستشفاه في القاهرة بتدريس الأطباء المسيحيين واليهود إضافة إلى المسلمين.

ألّف أبوزيد ما يربو على اثني عشر كتاباً ومثلها من المقالات. طُلِب منه بشكل منتظم مراجعة كتب أعظم العلماء الغربيين في مجالات الإسلام وتاريخ المسلمين، مثل وليام غراهام من جامعة هارفرد ومايكل ليكر من الجامعة العبرية بالقدس. كان شجاعاً في تفكيره ولكن متواضعاً في حياته.

لسوء الحظ أن أجزاء من العالم المسلم تمر بفترة يتم فيه كبت معرفة وإبداع أناس مثل أبوزيد من قبل حكومات سلطوية وجدت ملاذاً غريباً في تمسّكها بالسلطة بأي ثمن. القوة التي تشكل التهديد الأكبر للحكام المستبدين هي دائماً المعرفة التي يتمتع بها العلماء الحقيقيون والمفكرون المبدعون، المستعدون لإعلاء صوتهم قائلين إن الامبراطور عارٍ. هذه الصرخة لا تظهر فقط من خلال السياسة وإنما كذلك من خلال العلم والمعرفة والفنون.

لقد أصابنا فقدانه بالفقر، ولكنه أغنانا بإلهامه. ازداد عدد الناقدين والعلماء في الإسلام، بما في ذلك القرآن الكريم في السنوات الأخيرة بشكل درامي. قدّم ما يزيد على اثني عشر مسلماً دراسات في مؤتمر نوتردام الربيع الماضي، ويحضر عدد متزايد من المسلمين مؤتمرات أكاديمية عن الإسلام ويقومون بتنظيمها في الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، مقارنة بفترة عقد واحد من الزمان.

يصعب وبشكل متزايد في المناخ السياسي القائم في العالم المسلم، للعلماء المسلمين مثل نصر حامد أبوزيد أن يتم سماعهم. بدلاً من التذمر من أنهم غير موجودين، نحتاج لأن ندعم المجتمع الذي يتزايد أعضاؤه من المسلمين المؤمنين بحق، الذين يناضلون لمتابعة عملهم ذي الأهمية الخطيرة.

العدد 2879 - السبت 24 يوليو 2010م الموافق 11 شعبان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً