العدد 2882 - الثلثاء 27 يوليو 2010م الموافق 14 شعبان 1431هـ

لماذا القدس؟ سياسة الشعر

سيدرا إزراحي - أستاذة بدائرة الأدب المقارن بالجامعة العبرية في القدس، والمقال يُنشر بالتعاون مع «كو 

27 يوليو 2010

واحدة من أقدم المدن وأكثرها إلهاماً للخيال في العالم، وهي كذلك المدينة التي تبدو الأكثر استعصاء على الحل السلمي.

كانت مدينة القدس ومنذ عهد الملك داوود على الأقل، مدينة يطالب بها أكثر من شعب أو طائفة دينية، وكان الغزو والاحتلال هما الأسلوب المفضّل لحل النزاع - من عهد القبائل الإسرائيلية القديمة إلى البابليين ثم الرومان، ومن الصليبيين إلى صلاح الدين والمماليك، ومن العثمانيين إلى الإسرائيليين في العصر الحديث.

بغض النظر، هناك بعض الدلائل على نموذج بديل حتى في التوراة العبرية. خذ على سبيل المثال الآيات المبهمة التي تشكّل قصة اليبوسيين الذين يمكن أن يكونوا قد سلّموا مدينتهم القديمة إلى جيش الملك داوود بشكل سلمي نسبياً. يتوسع جوزيفوس فلافيوس في كتابه «تاريخ آثار اليهود» في الأمور التوراتية الأساسية بأن غزو داوود لبلدة جبوس ربما كان غير عنفي نسبياً وبدون مجازر أو أعمال طرد، وربما يكون قد سمح بتعايش سلمي مع السكان الأصليين، الذين يُشار إليهم على أنهم «سكان الأرض» أو «سكان القدس» (أنظر Sam 5:1-10 و Judges 1:21).

وفي العصر الحديث، يمثل كتاب «الصخرة» لكنعان مكيّة العراقي، والذي يعتبر سرداً شبه خيالي للقدس في القرن السابع مبني على إعادة تشكيل لطبقات من المطالبات الفعلية والنصّية حول تلّة الهيكل/ الحرم الشريف، يمثّل قبة الصخرة المشرفة أولاً وقبل كل شيء على أنها تقدير وإجلال لهيكل اليهود ولصخرة الأساس لرب إبراهيم ومحمد - وهي إيماءة للطبقة اليهودية للخيال الديني المسلم المبكّر.

تستطيع القول إنه تحت دمار الحرب ودم التضحية، هناك طبقة عريضة من الخيال، تقترح واقعاً مختلفاً وتطرح بدائل شمولية لملكية حصرية، وتهديد بالفناء للآخر. وربما يكون من الأكثر أهمية، رغم ضياعه في خضم صوت الجدل السياسي، هو ذلك الوميض من الخيال الإنساني الذي ينخرط في أعمال استبدال أو تبادل.

كان الاستبدال (أو كان يجب أن يكون) جوهر درس إبراهيم على «واحد من تلك التلال» في أرض مورَيّا (Genesis 22) (تكوين 22)، حيث أُرسل الرجل العجوز للتضحية بابنه اسحق «لإله لا يعرف الصفح». وفي السرد الإسلامي، فإن إسماعيل هو الذي كان سيُضحّى به. ويرى المسيحيون هذا الوضع بأنه ينذر بصلب السيد المسيح. إلا أن أساس القصة في صورها الثلاثة يكمن في إطارها الذي يغيب عن الانتباه أحياناً، ألا وهو عملية الاستبدال التي تتحدى الموت والضرورية بحكم العهد: ففي شكلها اليهودي والمسلم، هي استبدال الضحية الإنسانية بأخرى حيوانية. وفي صورتها المسيحية، يُنظَر إلى المسيح على أنه حمل التضحية الذي استُبدل به عن البشرية.

ويظهر هذا المبدأ بشكل أكثر درامية في نص توراتي جاء بعد فترة أطول بكثير: نشيد الأنشاد. فرغم أن المفسّرين المسيحيين واليهود أصّروا على إعطاء معنى رمزي للتصوير الفني المثير، إلا أن «قراءة بسيطة» للنص العبري، لا تثقلها طبقات متعددة من التفسيرات تكشف المحرك العطوف الذي يحتضن العالم من الرمز، الذي يشكل الوسط لتعليمات شالوميت لحبيبها. ورغم أن الحاخامات الكلاسيكيين وآباء الكنيسة يفضّلون أن نعتقد أن «النشيد» هو تطوير لفظي للعلاقة بين الله وإسرائيل أو بين المسيح والكنيسة، إلا أن النص بصورته «العارية» يطمس في الواقع ادعاءات دينية حصرية. تحفّز مصاعب الحب سلسلة من التماثلات غير المحتملة والشيطانية يتم فيها تشبيه أجزاء جسد المحبوب أو استبدالها بمزروعات القدس وأسلوب عمارتها وتركيبها الجيولوجي، دون أية إشارة إلى هيكل سليمان أو غيره من المواقع المقدسة. وتشكّل ممارسة كل من الهيمنة الإنسانية والتواضع الإنساني، الإنتاج الذاتي الوعي للتصوير الأدبي حيث كل عنصر في العالم الذي أوجده الخالق يمكن استبداله، وبالتالي الاستغناء عنه.

قد يقول القارئ أنني أتابع اندفاعاً مفاجئاً نفسياً وأدبياً حيث استبدال الإنسان بالحمل في سفر التكوين 22 أرسى قواعد أعمال التبادل والاستبدال كأسلوب شمولي أكثر من الإشارة إلى القدس في نصوص لاحقة. ولكن تبين أن تصوير القدس في أشكالها العديدة هو أمر طبيعي تماماً مثل القتال من أجلها، أو التعهّد بالثأر لأخطاء قديمة، يتم في عهد العودة. فخلال ألفي سنة من البعد عن الوسط المقدس، تعلّم اليهود كيف يعيشون في الرموز. ليس بالإمكان المبالغة في البعد الأخلاقي لأعمال لا تنتهي بشكل محتمل، من التبادل والاستبدال، وصنع المجاز والشمولية الشعرية.

نتج عن العودة اليهودية مؤخراً إلى المدينة التي كانت مصدر خيالها سياسة تحاول جعل المجاز أمراً فعلياً، مستعيدة المدينة التي طال تصورها على أنها «حقيقية» أو «قطعة عقارية»، مدعية أن الهيكل هو مكان للتضحية وليس الاستبدال، وقصة واحدة وليس العديد من الروايات، وابن واحد مختار وليس اثنين أو ثلاثة.

وفي اصطلاح القرن العشرين، وفرص القرن العشرين البلدية والإنسانية وتحدياته، يستمر شعراء مثل يهودا أفيشاي بالوقوف حراساً على بدايات القدس، يذكّرونا بأن «كل شيء في القدس رمز». فإذا كان كل شيء رمزاً، فإن كل شيء قابل للتفاوض، إلا الكرامة الإنسانية.

سوف أصل إلى مرحلة الادعاء بأن الشعر، الذي يفرض واقعاً بديلاً أنقذ العبرانيين القدامى في القدس، والشعر، أو بصورة أكثر دقة، المجاز، هو الذي يستطيع إنقاذ العبرانيين المعاصرين أو جيرانهم. ما سيدحرنا هو تبني المعنى الحرفي لما بقي في حالة إثارة مجازية لآلاف السنين. إذا فقدنا المدينة، فسوف يكون السبب هو أننا أدرنا أذناً صمّاء للشعر.

العدد 2882 - الثلثاء 27 يوليو 2010م الموافق 14 شعبان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً