حاولت السعودية وسورية تهدئة التوتر في لبنان بشأن توجيه أية اتهامات لعناصر من حزب الله في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري لكنهما اختلفتا بشأن محكمة شكلتها الأمم المتحدة لمحاكمة المشتبه بهم.
وهدأت الزيارة التي قام بها العاهل السعودي، الملك عبد الله والرئيس السوري، بشار الأسد من المعارك الكلامية بين الفصائل اللبنانية بشأن رفض زعيم حزب الله، حسن نصر الله للمحكمة بوصفها «مشروعاً إسرائيلياً».
غير أن السعودية وسورية تدعمان فصائل لبنانية متناحرة - وهذا أحد أوجه صراع أوسع نطاقاً على النفوذ الإقليمي بين المملكة وإيران.
وبالنسبة للرياض أظهرت الزيارة التي قام بها الزعيمان لبيروت أن الأسد قد يبتعد عن إيران حليفته غير العربية ربما مقابل إطلاق يد دمشق في لبنان الذي انسحبت منه القوات السورية العام 2005 بعد موجة غضب لبنانية وغربية بشأن اغتيال الحريري.
ويقول رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» المملوكة لسعوديين، طارق الحميد إن المملكة لم تعط سورية الضوء الأخضر لاستعادة قبضتها الحديدية القديمة على لبنان.
وأضاف «الزعيم السوري وصل على متن طائرة العاهل السعودي: هذا يبعث برسالة قوية لإيران... الأهم الآن هو مراقبة ما تفعله سورية لا ما تقوله».
وتحاول السعودية حليفة الولايات المتحدة التي يقلقها نفوذ إيران المتزايد منذ حرب العراق العام 2003 وصلات طهران بسورية وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) طوال عامين إقناع دمشق بتحجيم تحالفها مع طهران.
وقال الكاتب السعودي المتخصص في الشئون السياسية، خالد الدخيل «السعوديون والسوريون متوافقون بشأن العراق أكثر من توافقهم بشأن لبنان... لا تريد الدولتان رئيس وزراء مدعوماً من إيران (في بغداد). كما أنهما لا تريدان أن تهيمن إيران على العراق لأن هذا سيضعفهما».
ويرصد بعض المحللين العرب مثل مصطفى العاني من مركز الخليج للأبحاث ومقره دبي تغيراً طفيفاً في وضع سورية.
وقال العاني «السوريون يتحولون من العلاقات الاستراتيجية مع إيران إلى العلاقات الطيبة» مضيفاً أن زيارة الأسد تمثل إقراراً مجدداً بسيادة لبنان.
وأضاف «أحجم السوريون دوماً عن الاعتراف باستقلال لبنان. السعوديون نجحوا حتى الآن في وضع السياسة السورية تجاه لبنان على المسار الصحيح... من خلال تغيير علاقة تعتبر فيها سورية نفسها السيد».
وأصلح رئيس وزراء لبنان، سعد الحريري الذي كان يتهم السوريين بالضلوع في اغتيال والده العلاقات مع الأسد الذي وسع بالتالي نطاق حواره مع المفاوضين اللبنانيين. ويرى بعض المحللين أن هذا سيؤدي إلى تمييع وضع حزب الله المميز في دمشق.
وقال رئيس مركز كارنيجي في الشرق الأوسط، بول سالم إن العلاقة بين الأسد والحريري الآن قوية. وأضاف «هذا مثار قلق بالنسبة لحزب الله لأنه صديق سورية الرئيسي في لبنان. الآن أصبح لدى سورية صديقان رئيسيان على الأقل».
ونوعت سورية من صداقاتها في المنطقة أيضاً وطورت علاقات وثيقة مع تركيا القوة الاقتصادية وعضو حلف شمال الأطلسي صاحبة العلاقات الجيدة أيضاً مع الرياض وطهران.
لكن الأسد لا يزال محجماً عن التخلي عن تحالفه مع طهران الذي استمر 30 عاماً أو إضعاف صلاته بحزب الله التي تعتبر ورقة قوية في صراع سورية مع إسرائيل.
وفي لبنان يختلف الأسد مع الملك عبد الله بشأن المحكمة التي أنشأتها الأمم المتحدة والتي لم يرد ذكرها في بيانهما المشترك ببيروت على الرغم من أن هذا كان سبب زيارتهما للبلاد. وقال الحميد «هناك نقطة خلاف أساسية تتعلق بالمحكمة. السعودية تقول إنه لا يمكن تجنبها». وتدعم السعودية وحلفاؤها في لبنان وأبرزهم رئيس الوزراء الحالي ابن الحريري الراحل المحكمة التي يوجد مقرها في لاهاي. والرياض من بين المساهمين الرئيسيين في موازنتها.
وكان محققو الأمم المتحدة قد أشاروا في البداية إلى ضلوع سورية في اغتيال الحريري. ونظرت دمشق دوماً إلى المحكمة بارتياب ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية. ويقول مسئولون إن توجيه أي اتهامات لحزب الله «سيكون معناه استهداف سورية».
وعمل نصر الله على تقويض مصداقية المحكمة منذ أن كشف في يوليو/ تموز أن الحريري الابن أبلغه بأنها تعتزم توجيه اتهامات لعناصر «مارقة» بحزب الله.
وتنفي سورية وحزب الله أية علاقة باغتيال الحريري أو الاغتيالات التي أعقبته لشخصيات مناهضة لسورية في لبنان.
وكان نصر الله قد وعد بكشف النقاب عن أدلة الأسبوع المقبل لتأييد اتهامه لإسرائيل بأنها وراء اغتيال الحريري.
وربما تكون الوساطة السعودية السورية قد أرجأت أزمة سياسية في لبنان لكنها ما زالت تلوح في الأفق نظراً لأن حكومة الوحدة التي يرأسها الحريري تعتمد على دعم حزب الله.
ويخيم نزاع أعمق على وضع حزب الله بوصفه الجماعة الوحيدة التي سمح لها بالاحتفاظ بسلاحها بعد الحرب الأهلية التي استمرت من العام 1975 إلى العام 1990.
ويقول حزب الله إن ترسانته ضرورية لتحرير ما تبقى من جيوب من الأراضي التي يطالب بها لبنان وللدفاع عن البلاد إلى جانب الجيش في مواجهة أي هجوم إسرائيلي.
ويوم الثلثاء الماضي سلط الضوء على خطر أن يكون لبنان نقطة الاشتعال لحرب جديدة بالشرق الأوسط حين اشتبك الجيش اللبناني مع القوات الإسرائيلية على الحدود في أسوأ أعمال عنف منذ الحرب التي دارت بين إسرائيل وحزب الله العام 2006.
ولم يشترك حزب الله في الاشتباك لكنه هدد بالرد إذا تعرض الجيش اللبناني لأي هجوم آخر.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت مطالبة السعودية لسورية بممارسة نفوذها على حزب الله لتخفيف حدة مواقفه ستأتي بثمارها.
وقال مدير مركز كارنيجي، سالم «السعودية ستحث سورية على لعب هذا الدور. إذا نجحت بدرجة ما سيقوي هذا العلاقات بين (سورية والسعودية) لأن هذا سيظهر أن السوريين قادرون على تحقيق المطلوب... لكنهم قد يفشلون تماماً».
العدد 2892 - الجمعة 06 أغسطس 2010م الموافق 24 شعبان 1431هـ