العدد 2894 - الأحد 08 أغسطس 2010م الموافق 27 شعبان 1431هـ

التشريعات الإعلامية تصل حدود الرقابة في باكستان

هوما يوسف - صحافية مستقلة في كراتشي بباكستان، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند» 

08 أغسطس 2010

مع تنامي تأثير الإعلام الباكستاني، أصبحت جهود الحكومة في تحجيم هذا الإعلام أكثر إبداعاً.

ففي بداية شهر يوليو/ تموز اقترحت لجنة الشيوخ القائمة حول الإعلام والبث الإذاعي مدونة سلوك إعلامي جديدة تنادي بمنع التغطية المصوّرة المزعجة للهجمات الإرهابية وتمنع الإعلام من بث تصريحات المتطرفين العنفيين.

ورغم أن فرهناز إسبهاني، الناطقة باسم الرئيس الباكستاني عاصف علي زرداري، أصرّت على أن مشروع القانون هذا يحترم الحريات الإعلامية، إلا أنه يحتوي على مادة تحذّر ضد نشر «ما يعتبر ذماً وقدحاً بأجهزة الدولة». ولهذا السبب جرى انتقاد مشروع القانون على أنه شكل جديد من أشكال الرقابة.

ويشكل مشروع القانون هذا استمرارية لعلاقة الدولة غير المريحة مع الإعلام، والتي شهدت حريات جديدة وقيوداً جديدة خلال العقد الماضي.

يستطيع المشاهد الذي يتنقل اليوم بين قنوات التلفزة الباكستانية أن يرى لمحة من البرامج المتنوعة والمتناقضة أحياناً، برامج حوارية سياسية صاخبة وتغطية إعلامية إخبارية لهجمات إرهابية وحشية وأغانٍ ورسومات كرتونية تهكمية معادية للحكومة وأشرطة فيديو موسيقية وبرامج دينية وأشرطة لعارضات أزياء شبه عاريات في عروض للموضة وبرامج رياضية.

ويشكّل هذا التنوع إرث الرئيس الباكستاني السابق برفيز مشرّف وقراره بخصخصة البث الإذاعي والتلفزيوني والإعلام الإلكتروني وجعلها أكثر ليبرالية.

ومنذ العام 2002 صعدت 92 قناة تلفزيونية خاصة (تركّز 26 منها بشكل حصري على الأخبار والأحداث الراهنة) وما يزيد على 130 محطة إذاعية إف إم، إلى موجات الأثير الباكستانية. وبفضل هذا التنوّع أصبح الإعلام الباكستاني اليوم أكثر حرية وتأثيراً مما كان عليه في أي يوم من الأيام.

ومنذ خروج جنّي الإعلام من القمقم، كافحت السلطات الباكستانية لصياغة تشريعات مناسبة تستطيع أن تضمن أن يكون مضمون المواد التي يجري بثها مناسباً ودقيقاً وغير منحاز. وقد ازدادت صعوبة هذه المهمة لأن نمو الإعلام المستقل تم بالتزامن مع صعود حركة طالبان الباكستانية المتطرفة. ونتيجة لازدياد وتيرة الهجمات الإرهابية في باكستان وخاصة منذ العام 2007، ركّز الحوار والتشريع المتعلق بسلوك الإعلام على الأسلوب المناسب لتغطية أحداث مزعجة مثل التفجيرات الانتحارية.

ويشكّل هذا التوجه ابتعاداً ظاهراً عن أيام إعلام الدولة. فقبل العام 2002 كانت هناك ثلاث محطات تلفزيونية ومحطة إذاعية واحدة في الباكستان، تديرها الدولة. وليس من الغريب أن المسئولين تمكنوا من السيطرة عن كثب على مضمون هذه الوسائل الإعلامية والتركيز على تفسير محافظ نسبياً للقيم الإسلامية عبر موجات الأثير.

وقد أصبح القلق فيما يتعلق بالخصوصية الإسلامية أقل وضوحاً منذ جعل الإعلام أكثر ليبرالية العام 2002. بدلاً من ذلك، ركزت مدونات سلوك الإعلام بشكل متزايد على ضبط صناعة أزيل اللجام عنها مؤخراً، وتحديد أثرها على قضايا الدولة السياسية والأمنية.

وضمن جهودها لاستعادة السلطة وفرض اليد العليا في التغطية الإعلامية المحلية قامت سلطة تنظيم الإعلام الإلكتروني الباكستانية، وهي هيئة قام مشرّف بإنشائها لمراقبة موجات الأثير وتطبيق التشريعات الإعلامية، بنشر مدونات سلوك للإعلام في الأعوام 2002، 2007 و2009. إلا أن كلاً من هذه المدونات تعرضت للانتقادات الشديدة من قبل الصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان بسبب كبتهم للحريات الصحافية وتشجيع ثقافة الرقابة.

ولهذه الانتقادات ما يبررها إلى حد بعيد، فعلى سبيل المثال فرض قانون سلطة تنظيم الإعلام الإلكتروني المعدَّل للعام 2007، الذي نشر في نوفمبر/ تشرين الثاني من تلك السنة، فرض حدوداً لا سابق لها على حرية الإعلام، فقد قام بتحديد التغطية الحيّة وتمكين الحكومة من مقاطعة البث «غير اللائق»، وسمح لمسئولي الحكومة إغلاق المكاتب الإعلامية ومصادرة المعدات التي تملكها هيئات خاصة.

إضافة إلى ذلك، جرى منع صحافيي البث الإعلامي من بث تغطية حيّة للأحداث العنفية ومنعهم من التعبير عن آراء قد تمس بـِ «أيديولوجية... أو كرامة» الباكستان، حسب قانون الهيئة للعام 2007.

ومن الأمور المثيرة للمزيد من المشاكل شروط تمنع القدح والذم برئيس البلاد أو الجيش أو مكاتب الدولة ومؤسّساتها.

ورغم تبني قوانين كهذه، أثبت الإعلام كونه قوة من أجل التغيير، فقد يسّر دعم الإعلام لحركة المحامين، التي طالبت بهيئة قضائية مستقلة وعدم التدخل بتعيينات القضاة، وإعادة كبير قضاة المحكمة العليا افتخار تشودري العام 2009 إلى منصبه بعد أن قام مشرّف بتنحيته العام 2007. وفي السنة الماضية، أدّت حملة إعلامية ضد حزمة معونة أميركية عُرِفت شعبياً باسم مشروع قانون كيري لوغر إلى إدانته بشكل واسع من قبل برلمانيين. وفي شهر فبراير/ شباط من العام الماضي صرّح الجنرال الباكستاني أشفاق كياني أن دعم الإعلام لمبادرات الجيش ضد المتشددين المسلّحين حاسم من أجل الاستقرار الإقليمي.

حقيقة الأمر أنه في الوقت الذي يصل فيه الإعلام الباكستاني مرحلة النضوج، ويمتد ليتصل بجمهور أكثر اتساعاً، فإنه سوف يحتاج إلى معايير نشطة ومثابرة وملتزمة.

وقد اعترف المهنيون في مجال الإعلام بالحاجة لخطوط إرشادية في مجال التغطية في نوفمبر 2009 عندما تبنّى ثمانية من من إعلاميي البث مدونة سلوك طوعية فيما يتعلق بتغطية الهجمات الإرهابية وأخذ الرهائن.

وقد أثبتت هذه المبادرة أن باستطاعة عملية تنظيم الإعلام في باكستان أن تثبت فعاليتها، ولكن فقط إذا تمت صياغتها بالتزامن مع أصحاب الاهتمامات والمصالح في الصناعة والمجتمع المدني. يجب أن تعكس قوانين الإعلام المستقبلية في الباكستان هذا النموذج بدلاً من السيطرة من الأعلى إلى الأسفل.

العدد 2894 - الأحد 08 أغسطس 2010م الموافق 27 شعبان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً