ربما تجد الحكومة البريطانية صعوبة في الالتزام بإستراتيجية متماسكة في الوقت الذي يسعى فيه الوزراء جاهدين إلى خفض النفقات بما يصل إلى 40 في المئة تنفيذاً لأوامر وزارة الخزانة.
ويقول رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، الذي تولى المنصب في مايو/ أيار إن خفض العجز القياسي بالموازنة في زمن السلم من 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الصفر تقريباً في غضون 5 سنوات هو المهمة الأكثر إلحاحاً لحكومة ائتلاف المحافظين والديمقراطيين الأحرار.
وتجري حالياً مراجعة الإنفاق وسيتم إعلان نتائج تلك المراجعة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول. وشبَّه كاميرون ذلك بعملية «إنقاذ منظم لنشاط تجاري منهار» لكن هناك كثيراً من المتشككين.
وقال تقرير صدر في الآونة الأخيرة عن مركز العدالة الاجتماعية وهو مؤسسة بحثية محافظة «يتحرك الوزراء بالفعل من دون توجيه فهناك أوامر بخفض البرامج بما يصل إلى 40 في المئة لكن دون توجيهات واضحة بشأن أهداف وزاراتهم».
ويخشى كثيرون من أن يتم خفض الإنفاق وفقاً لما هو مناسب للساسة أو أسهل في التنفيذ بالنسبة إلى موظفي الدولة وذلك على حساب الأهداف الاجتماعية والاقتصادية.
وقال النائب المعارض ورئيس لجنة الأعمال بالبرلمان، أدريان بايلي، لصحيفة «فايننشال تايمز»: «لا يوجد في الوقت الحالي رد الفعل المنسق المطلوب بين مختلف الوزارات لتحقيق الأهداف الاقتصادية للحكومة». وقال المحلل السياسي لدى «نومورا»، أليستير نيوتن، إن المحك هو إن كانت الحكومة ستقوم بإلغاء البرامج الأقل أهمية لتوفير التمويل للبرامج المهمة أو أنها ستستقطع مبلغاً ضئيلاً من عدد كبير من البرامج. وأضاف «يحدوني تفاؤل حذر بأنه سيتم ترتيب الأولويات بشكل معقول إلى حد ما ببساطة لأن التخفيضات من الضخامة بحيث لا يمكن تمويلها باستقطاع مبالغ ضئيلة من هنا وهناك».
وتابع نيوتن بقوله، إن الائتلاف يبحث بجدية فيما يبدو عن مجالات يمكن للقطاع العام الانسحاب منها لكن سيكون من الصعب جداً على المحافظين الذين ينتمون لتيار يمين الوسط الاتفاق على ذلك مع شركائهم الديمقراطيين الأحرار المنتمين لتيار يسار الوسط. وأضاف «ليس هناك ما يمكن القول بأنه الحل الصحيح في هذه الحالة بل ما يمكنهم الحصول عليه».
وليست هناك قوالب واضحة لما تريد الحكومة فعله. ويفوق نطاق التخفيضات أحدث حملتين للتقشف في بريطانيا بعد برنامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي العام 1976 وفي الثمانينيات من القرن الماضي تحت قيادة رئيسة الوزراء، مارغريت تاتشر، في ذلك الوقت.
وهناك أيضاً فرق كبير بينها وبين الجهود التي قامت بها كل من السويد وكندا في التسعينيات والتي حظت بإعجاب كبير. فبريطانيا تطلق تلك التخفيضات في وقت يعاني فيه بعض شركائها التجاريين الرئيسيين من ضعف النمو ووصلت أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية منخفضة بما لا يترك مجالاً لخفض الفائدة لدعم النمو.
واستثنت الحكومة قطاع الحصة في خطوة تحظى بشعبية بين الناخبين لكنها تترك أحد أكبر مجالات الإنفاق العام خارج نطاق التخفيضات ما يعرض قطاعات أخرى لمزيد من الخفض.
وقال محلل استراتيجيات الدخل الثابت في رويال بنك أوف كندا، سام هيل: «ستتزايد التكهنات بشأن إن كان من الممكن الإبقاء على هذا الاستثناء إذا ظهرت تحديات سياسية أمام خفض الإنفاق بصورة كبيرة في مجالات حساسة أخرى».
وأحد أسباب القلق الأخرى هو أن خفض التكاليف في أحد المجالات عن طريق تسريح عاملين مثلاً أو بإحالة بعض العاملين في القطاع العام إلى التقاعد المبكر قد يؤدي إلى نفقات إضافية من ناحية أخرى مثل فواتير الرعاية الاجتماعية.
وقال الرئيس العالمي لاستراتيجيات الدخل الثابت في وستباك، راسل جونز، إن وزارة الخزانة «لديها إصرار» فيما يبدو على دفع الوزارات لتنفيذ تخفيضات واسعة النطاق.
وأضاف «ليست هذه سياسة بارعة في الوقت الحالي إنها (سياسة) المطرقة. الخطر هو أن تضر بمرونة الاقتصاد ونشاطه على المدى البعيد».
وتصر الحكومة على أن ذلك لن يحدث. وقال كاميرون إن «الحكم (برؤية) بعيدة النظر» كان أحد المبادئ التوجيهية لمراجعة الإنفاق وإن الحكومة ستتخذ قرارات صارمة.
وكتب في عمود في الآونة الأخيرة «الحقيقة هي أن هناك بعض الأشياء التي نكن لها تقديراً كبيراً سيتعين عليها أن تذهب».
لكن المبادرات الأولية لخفض الإنفاق أعطت مؤشراً على الصعوبات التي ستواجهها الحكومة.
ففي موقف محرج الأسبوع الماضي رفض مكتب كاميرون مقترحاً لإلغاء توزيع الحليب مجاناً على تلاميذ المدارس باعتبار أن ذلك له مخاطر سياسية كبيرة في اللحظة نفسها التي كان وزير يدافع عن تلك الفكرة في بث حي على قناة تلفزيونية حكومية.
العدد 2902 - الإثنين 16 أغسطس 2010م الموافق 06 رمضان 1431هـ