العدد 2902 - الإثنين 16 أغسطس 2010م الموافق 06 رمضان 1431هـ

السودان بلد المليون ميل بين خيار الوحدة والانفصال

عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل بين شمال وجنوب السودان العام 2005، التي وضعت حداً لأطول حرب أهلية في العالم، سادت أجواء الفرح الغامر أرجاء السودان المختلفة بهذا الإنجاز، لكن تلك الأجواء لم تستمر طويلاً خاصة عقب حادث مقتل زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان الراحل، جون قرنق التي صاحبتها أعمال عنف في الشمال والجنوب أزهقت العديد من الأرواح وأعادت إلى الساحة أجواء ما قبل السلام.

استطاعت السلطات في الشمال والجنوب احتواء تلك العقبة سريعاً، وخصوصاً عقب ظهور مؤشرات أكدت عدم تورط الحكومة السودانية في حادث تحطم الطائرة الذي راح ضحيته جون قرنق الذي كان يتمتع بروح وحدوية يشهد بها الجميع.

اليوم وحسب تنفيذ بنود اتفاقية السلام يتجه السودان نحو مرحلة مفصلية خطيرة في تاريخه وهي حق تقرير المصير الذي سيتم في مطلع العام القبل وسيتم بموجبه فصل الجنوب (ربع مساحة السودان تقريباً 640.00 من أصل 2.503.890 كلم مربع ، مليون ميل تقريباً) أو بقاء السودان موحداً حسب جغرافيته وحدوده التي حفظناها منذ الصغر.

لقد لاحظ السودانيون الذين زاروا الخرطوم خلال العطلة الصيفية أن أسواق الخرطوم شهدت تراجعاً ملحوظاً في أعداد الجنوبيين عما كان عليه الحال خلال الأعوام الماضية ويبدو أن هناك جهات تعمل على ترحليهم إلى الجنوب للمشاركة في الاستفتاء وتحسباً لحدوث الانفصال، لكن على الرغم من ذلك هناك أعداد كبيرة من الجنوبيين ولدوا وترعرعوا في الشمال ولا يعرفون عن الجنوب شيئاً وهم قرروا البقاء في الخرطوم وبقية مدن الشمال لأنهم أصبحوا جزءاً من تركيبة شمال السودان الذي يرحب بوجودهم في كل الأحوال. وكانت هناك أعداد كبيرة من أبناء الجنوب نزحت إلى الشمال خلال الأعوام الماضية هرباً من ويلات الحرب، ويبدو أن منهم من قرر العودة لاستعادة ممتلكاته هناك والوجود بين الأهل والقبيلة؟.

خيار الوحدة والانفصال يبدو شائكاً بالنسبة للحكومة والمواطن السوداني ولا يمكن أن تجد شخصين يتفقان على رأي وموقف موحد من هذا الأمر، كما أن هذا الخيار صار شغالاً ومؤرقاً للعديد من البلدان العربية والإفريقية المجاورة للسودان التي تتحسب كثيراً وتخشى من تداعيات حدوث الانفصال.

لقد ظلت العلاقة بين حكومة الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) في حالة شد وجذب خلال الأعوام السابقة التي تلت اتفاقية السلام، وساعد تغييب وغياب القوى السياسية السودانية الأخرى عن المشاركة في صنع القرار في بروز تيارين في المؤتمر الوطني والحركة الشعبية يعمل ويؤيد انفصال جنوب السودان حتى يتفرغ كل وينفرد بـ «غنيمته» ويمارس فيها «أسلوب» الحكم الذي يريد بعيداً عن المشاحنات وتكسير العظام.

شهدت الفترة الماضية العديد من الاجتماعات بين قيادات ولجان متخصصة في الشمال والجنوب لوضع سيناريوهات الوحدة أو الانفصال حتى يتم الانتقال بصورة سلمية في حال اختار الجنوب خيار الانفصال. لكن المتابع للمشهد يضيع في فهم النتائج والخروج بتوقعات مبنية على حقائق ومؤشرات جادة، فتارة تصدر عن «الشريكين» تصريحات تؤكد أن الطرفين يعملان من أجل الوحدة ويدفعان في هذا الاتجاه ويؤكدان أن الجنوب سيشهد عملية تنمية شاملة بمشاركة عربية كبيرة (نذكر هنا بالدور الكويتي الكبير في تنمية الجنوب الذي أعقب توقيع اتفاقية أديس أبابا العام 1972)، وتارة أخرى تصدر تصريحات معاكسة تؤكد أن الجنوب يتجه فعلاً نحو الانفصال وإقامة دولة مستقلة.

عندما تم وضع اتفاقية السلام وبنود اتفاق ماتشاكوس كانت الأوضاع الدولية وقتها تدفع لصالح انفصال الجنوب ولكن مع التغيرات الراهنة، وخصوصاً في الولايات المتحدة فمن الواضح أن السياسة الدولية الحالية تعارض عمليات الانفصال لأن الدوليات الوليدة صارت مرتعاً خصباً للتنظيمات الإرهابية وأن موقع الجنوب السوداني في قلب القارة الإفريقية يشكل مصدر خطر كبير على استقرارها.

الدول العربية وخصوصاً مصر تعارض انفصال الجنوب وتؤكد على وحدة السودان ومصدر القلق المصري يتعلق أساساً بمصادر مياه النيل وتغلغل إسرائيل المتوقع في المنطقة حل انفصال الجنوب. ومن المعروف أن الحرب الأهلية في الجنوب عطلت مشروع قناة جونقلي الذي كان يستهدف بدعم مصري الاستفادة من المياه الفاقدة بفعل التبخر في منطقة المستنقعات لصالح دول الحوض. لكن شمال السودان لن يتأثر كثيراً في هذا الجانب إذا انفصل الجنوب لأن النيل الأبيض بروافده المتعددة يمر فقط في أراضي الجنوب فيما يمر النيل الأزرق وهم أكبر مصدر لمياه نهر النيل في شمال السودان إلى جانب روافد نهر النيل الأخرى مثل نهر عطبرة والقاش والدندر إلخ.

لكن هناك مخاوف في الساحة السودانية من فقد الشمال موارد مالية كبيرة إذا انفصل الجنوب، إذ توجد العديد من حقول النفط المنتجة في المناطق الحدودية بين جنوب وغرب السودان. لكن حسب بعض المتابعين للأمر فإن البترول الذي يصدره السودان لا ينتج كله من الجنوب وهناك فرص لاستغلال المزيد من الحقول الواعدة في الشمال، كما أن حجم الأموال التي يدفعها الشمال إلى الجنوب في شكل موازنات للولايات ومشاريع للتنمية ومواد غذائية قد تكون أكبر من نصيب الشمال من موارد البترول المستغل حالياً. وفي المقابل فإن الجنوب بسبب تداعيات الحرب الطويلة تعطلت فيه العديد من المشاريع الإنتاجية وبات لا يساهم بشيء يذكر في الناتج المحلي الإجمالي ناهيك عن توفير أموال المجهود الحربي.

هناك صعوبات أخرى تواجه خيار انفصال الجنوب وتتمثل في الجانب الأمني لأن الوضع في جنوب السودان غير مستقر تماماً حالياً، فبعيداً عن الصراعات المسلحة مع القبائل التي تناصب قبيلة الدينكا التي تسيطر على الحركة الشعبية، فهناك بوادر انفصال وتمرد عسكري في صفوف الحركة نفسها بدأت منذ الانتخابات العامة الأخيرة وتستمر إلى اليوم وقد يشتد أوارها إذا حدث الانفصال.

الحركة الشعبية قد تواجه في حال حدوث الانفصال على أساس عرقي انشقاقاً يتمثل في خروج الكثير من قياداتها من أبناء شمال السودان (خاصة في النيل الأزرق وجبال النوبة) الذين انضموا للحركة على أساس أنها تعمل لخلق «سودان جديد» وليس خلق دولة جديدة؟.

وبالرجوع لما بعد اتفاق أديس أبابا فقد شهدت مدينة جوبا عاصمة الجنوب وقتها صراعاً واضحاً بين أبناء قبيلة الدينكا وأبناء الاستوائية الذي شعروا بالظلم عندما سيطر الدينكا على معظم الوظائف القيادية وتركوهم في الهامش، كما أشعل قرار الرئيس الراحل جعفر نميري العام 1979 إعادة تقسيم الجنوب لثلاث أقاليم حرباً بين قبائل الجنوب أدت إلى إفشال اتفاق سلام أديس أبابا. ومن المتوقع تكرار المشهد نفسه في حال الانفصال.

الجنوب مرغم بحجم طبيعته الجغرافية وعلاقاته غير الطيبة مع دول الجوار، و خصوصاً أوغندا بفعل وجود عناصر «جيش الرب» على التعامل تجارياً وتصدير البترول عبر شمال السودان. وكل هذه العوامل تجعل الكثيرين من أبناء الحركة الشعبية والجنوب يفضلون خيار الوحدة لأن الانفصال سيفقدهم الكثير من المكاسب التي نالوها في الشمال، و خصوصاً الوظائف في الوزارات السيادية.

أشهر عدة تنتظر بقاء السودان موحداً والحفاظ على الوصف الذي عرف به باعتباره من أكبر البلدان العربية مساحة، أو تشطيره لدولتين. وعلى رغم أن القرار صار في يد حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية دون سواهما من القوى الأخرى، التي ارتضت أن تكون في موقع المتفرج، نتمنى أن يتخذ أبناء الجنوب دون تدخل من أحد القرار الصائب الذي يحقق مصالحهم ومصالح الوطن الأم بشكل عام.

العدد 2902 - الإثنين 16 أغسطس 2010م الموافق 06 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 6:25 ص

      السودان دولتين لا محال

      لاشك انهم سينفصلون وستصبح السودان دولتين لان الامريكان يريدون دلك وستكون دولة الجنواب و سكانها الاكثرية المسيحية تابعة لامريكا ويمكن ان تكون مرتع ثاني لليهود

اقرأ ايضاً