دفعت الأحوال المتردية في جنوب إفريقيا الآلاف من العاملين في قطاع التمريض والمدرسين وآخرين من موظفي القطاع العام للإضراب الذي مازال مستمراً منذ عشرة أيام، وقد تسبب في إغلاق المدارس وإثارة حالة من الفوضى والارتباك في المستشفيات دون أن تلوح في الأفق علامة على قرب انتهائه.
و بعد ما يزيد على العام من الصمت المطبق يجد رئيس جنوب إفريقيا، جاكوب زوما نفسه أمام أقوى اختبار يواجه زعامته منذ توليه سدة الحكم. وبدأت حملات الهجوم في الانطلاق على الرئيس الذي اتهم بالإهمال والعبث بعد أن ترك البلاد على صفيح ساخن، على شفا السقوط في أتون فوضى، وذهب في زيارة تستغرق ثلاثة أيام للصين. بعض اللافتات التي حملها آلاف المتظاهرين خارج البرلمان في كيب تاون الخميس الماضي، كانت موجهة وبشكل مباشر للرئيس متعدد الزيجات. وكتب على إحدى اللافتات «مطالبي...أربع زوجات... طفل آخر غير شرعي...ألف راند (137 دولاراً) بدل سكن... وأحتاج لزيادة في الراتب بنسبة 7ر8 في المئة».
قبل ثلاثة أعوام احتشد كثير من هؤلاء العمال لتأييد زوما إبان حملته لتولي رئاسة حزب المؤتمر الإفريقي الوطني(ايه. إن. سي). وقتها كان اليسار يهلل لزوما، بما في ذلك اتحاد عمال جنوب إفريقيا الذي يضم تحت لوائه مليوني عامل، ويصفونه بـ «يسوع الأسود» الذي سيخلص جنوب إفريقيا من مركزية ثابو مبيكي. لكن وبعد مرور عام على توليه الحكم، لم يبد زوما أي رغبة في التواصل مع اليسار، وقبع دون حراك، بينما كان الفساد والمحسوبية ينخران عظام حزب المؤتمر الوطني الإفريقي العظيم.
عطاءات الحكومة التي تقدر بملايين الدولارات ويجرى ترسيتها على الأقارب، ومئات الألوف التي ينفقها على بائعات الهوى الوزراء المتهتكون، كل ذلك ظهر على السطح لتزيح جنوب إفريقيا، البرازيل عن صدارة قائمة أكثر المجتمعات ظلماً، ولتدفع حلفاء الحزب الحاكم من اليساريين إلى الانسلاخ والبعد ومعهم عدد كبير من عناصر قواعد الحزب. وقال الأمين العام لاتحاد العمال الخميس الماضي زويلنزيما فافي: « نتحول بسرعة لدولة ضارية... تزداد فيها سيطرة نخبة من ضباع السياسة الفاسدين الغوغائيين على الدولة و(تحويلها) لمركبة لتكديس(الثروة)». وقال فافي محذراً، إنه إذا لم يكن للاتحاد دور أكبر في صياغة السياسة، فقد يجد حزب المؤتمر نفسه يستجدي الأصوات خلال الانتخابات المحلية العام المقبل. يطالب العمال بزيادة الرواتب بنسبة 7ر8 في المئة، بالإضافة إلى بدل سكني قيمته ألف راند شهرياً (نحو 137 دولاراً). تقول نقابة المعلمين، إن المدرس الذي يحمل شهادة وسنوات خبرة لا بأس بها، لا يزيد راتبه عن سبعة آلاف أو ثمانية آلاف راند حالياً. والحكومة تعرض عليهم زيادة بنسبة سبعة في المئة وبدل سكني قيمته 700 راند، وعلاوات بقيمة 5ر1 في المئة من الراتب ترتبط بالأداء، قائلة إن تقديم أي شيء أكثر من ذلك من شأنه تهديد موارد أساسية أخرى مثل السكن والمياه. غير أن الاتحاد يرد قائلاً إن الاستادات العشر التي بنيت لاستضافة كأس العالم الأخيرة بكلفة 7ر11 مليار راند(6ر1 مليار دولار) وتقف الآن مهجورة، تعكس واقعاً مختلفاً.
يقول مؤلف كتاب «ثابو مبيكي ومعركة روح حزب المؤتمر الوطني»، ويليام جوميدي لوكالة الأنباء الألمانية: «هؤلاء الناس يقولون الآن... كيف يمكنك إنفاق كل تلك النقود على سيارات فارهة و(على استضافة) كأس العالم... ولا تترك لنا شيئاً». إن العصيان الذي أعلنه المدرسون والممرضون ممن جالوا في المدارس والمستشفيات لتهديد من يرفضون المشاركة في الإضراب كان دلالة على أن حالة الإحباط «بلغت مداها» بحسب جوميدي.
العدد 2915 - الأحد 29 أغسطس 2010م الموافق 19 رمضان 1431هـ
الله المعين
كله من كأس العالم وكرة القدم...