سنثيا شنايدر - أستاذة مميزة في ممارسة الدبلوماسية بكلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، وزميلة رئيس
29 أغسطس 2010
بدأت الانفجارات في مدينة نابلس بفلسطين عشية يوم 21 يوليو/ تموز واستمرت طوال اليوم التالي.
هل كانت تلك بداية الانتفاضة الثالثة؟ بالتأكيد لا.
كانت الانفجارات المستمرة التي سمعناها ألعاباً نارية للاحتفال بالنتائج المهمة جداً لنتائج امتحانات التوجيهي.
اجتمعت الأسر حول أجهزة الراديو تصغي لأسماء ومعدلات أبنائهم وبناتهم. انكبّ الناس في كافة أنحاء المدينة على قوائم نشرت في الصحف بحثاً عن أسماء أصدقاء وأفراد الأسرة.
خططت ختام سلامة، مساعدة مديرة مدرسة تابعة لوكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) في مخيم عسكر الجديد لاستضافة أفراد أسرتها الكبيرة للإصغاء للمعدلات، ثم الاحتفال بنتائج ابنتها.
ووجه تساؤلي حول ما سيحصل إذا كانت المعدلات مخيبة للآمال باستنكار شديد، سرعان ما تحول إلى ثقة واضحة: «تعمل ابنتي بجد واجتهاد، وسوف تحصل على معدل مرتفع».
في نهاية المطاف، الأم على معرفة جيدة دائماً. حصلت ابنة ختام، واسمها سخاء خالد على معدل مرتفع جداً، وغطّت الابتسامات وجه ختام وهي تناقش علامات ابنتها البارزة والحفلة المنوي إقامتها احتفالاً بذلك.
ولكن عندما سألت إلى أية جامعة سوف تذهب سخاء، اعتلى العبوس وجه ختام.
الخبر الجيد أن سخاء قد قُبلت في كلية الطب بالجامعة المحلية، جامعة النجاح. الخبر السيئ هو أن الرسوم المدرسية تبلغ 12.000 دولار سنوياً، وهي أعلى بكثير من ميزانية الأسرة. ورغم أنها قدَّمت طلباً للحصول على بعثة لابنتها، إلا أنها لا ترى أملاً كبيراً في الحصول عليها إذا أخذنا بالاعتبار التمويل المحدود الذي توفره الحكومة للتعليم العالي.
بدأت ختام سلامة البحث عن عمل إضافي كمترجمة لدعم دخل الأسرة، وقد أعربت عن الأمل المتفائل بأن نعود بعد ست سنوات لنرى عيادة ابنتها الطبيبة والتمتع بوجبة شهية أخرى في منزلها.
وفي الطرف الآخر من المدينة، وفي مخيم عسكر الجديد، تحدّث أحد قادة المجتمع ببلاغة عن قيمة التعليم وأهميته، مشيراً إلى المدارس والجامعات على أنها «أماكن مقدسة» ومفتاح «الحرية والحياة الجيدة». وقد أصر على أن يذهب أبناؤه إلى المدرسة الثانوية، وهو أمر غير اعتيادي في مخيم عسكر الجديد حيث تقف مدارس الاونروا عند الصف الثامن.
كان أولاده من نجوم الطلاب في صفوف اللغة الإنجليزية التي يدرّسها متطوعون من منظمة «إلهام الأحلام الفلسطينية» غير الحكومية التي بدأها مؤخراً ثلاثة خريجين من جامعة جورجتاون، والتي تنظّم دروساً لتعليم اللغة الإنجليزية ومعسكرات صيفية على الطريقة الأميركية في مخيمات اللاجئين في نابلس وبيت لحم ورام الله. يعمل الطلبة المتفوقون في هذه الصفوف بجّد لإعداد مقالات باللغة الإنجليزية لطلب منحة، بينما يضحك الطلبة الأصغر عمراً وترتفع أصواتهم سعادة بينما يخترعون الكلمات للفوز بلعبة كلمات. وفي المخيمات، يلعب الأطفال كرة القدم ويتعلمون التصوير وأغاني الراب وكيفية تركيب ضوء كهربائي من البداية.
لم أتمالك إلا أن أتساءل، وأنا أزور ابني سام، وهو متطوع في منظمة «إلهام الأحلام»، من الذي يصغي إلى أحلام هؤلاء الصغار الفلسطينيين الذين يريدون أن يتعلموا. في غياب دعم الصغار الذين يتطلعون لأن يصبحوا أطباء أو مهندسين، كيف يتسنى لفلسطين أن تأمل أن توفر الفرص لسكانها للتمتع بحياة منتجة؟
تقوم منظمة المعونة الإسلامية الأميركية الإنسانية بتمويل مدرسة جديدة في مخيم عسكر الجديد. ولكن نظراً لنقص الأموال تم إيقاف عملها مؤقتاً. سوف تقوم في نهاية المطاف بفتح أماكن جديدة للأولاد والبنات، ولكن لسوء الحظ، سوف تقف مدرسة الأولاد الجديدة عند الصف السادس بسبب محدودية المساحة، الأمر الذي لا يترك «للخريجين» البالغين من العمر 13 سنة سوى خيار قليل من الأعمال البسيطة الشحيحة في المخيم.
أخشى أن تقع الألعاب النارية فوق نابلس احتفالاً بنتائج التوجيهي على آذان صمّاء. وفي الوقت الذي تحدّث فيه رئيس الوزراء سلام فياض يوم 8 أغسطس/ آب عن الحاجة لتحسين التعليم في المجتمع الفلسطيني ليس فقط من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإنما كذلك لتوفير أسس دولة فلسطينية قادرة على البقاء للفلسطينيين، يتوجب على السلطة الفلسطينية والعاملين الإقليميين والمجتمع الدولي أن يفعل المزيد دعماً للتعليم على كافة المستويات.
ويتوجب على حكومة السلطة الفلسطينية بالذات أن توفر بعثات شفافة لأفضل المستحقين وأن تعمل على تخفيض الرسوم الجامعية، فمبلغ 12.000 دولار مرتفع بشكل مستحيل لسكان نابلس أو غيرها من المدن مثل جنين وأريحا والخليل، التي لم تشارك رام الله فورتها الاقتصادية.
الوضع الراهن في التعليم في مخيمات اللاجئين، حيث لا تستوعب المدارس سوى جزء من السكان وتنتهي عند الصف الثامن أو قبل ذلك، غير مقبول. لن يستفيد أحد من جيل آخر يفتقر إلى التعليم من الشباب الفلسطيني، لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين ولا الأميركيين ولا المجتمع الدولي.
نأمل أن تمهّد المحادثات المباشرة التي ستبدأ قريباً بين الزعماء الفلسطينيين والإسرائيليين الطريق لسكان نابلس لأن يحققوا أحلامهم بتعليم أولادهم وضمان مستقبلهم.
العدد 2915 - الأحد 29 أغسطس 2010م الموافق 19 رمضان 1431هـ