العدد 2920 - الجمعة 03 سبتمبر 2010م الموافق 24 رمضان 1431هـ

في تونس... واحة للحوار الموسيقي

مارتينا صبرا- كاتبة مستقلة، والمقال يُنشر بالتعاون مع «كومن غراوند» 

03 سبتمبر 2010

تُعتبر ضاحية سيدي بوسعيد التونسية واحدة من أكثر الوجهات المفضلة للسيّاح الأجانب في تونس. ينجذب الناس إلى هناك من كل مكان بفعل سحر الأزقة الضيقة والمتعرّجة التي تصطف على جانبيها منازل بيضاء مبنية على الطراز المعماري الأندلسي، وكذلك جمال شلالات نبتة الجهنمية ذات اللون الأحمر المشع التي تنتشر على الجدران، بالإضافة إلى المناظر الرائعة المطلّة على البحر. ولكن مع ذلك لا يعلم سوى قلة من الزوّار أن ضاحية سيدي بوسعيد تؤوي بالإضافة إلى ذلك مشروعاً ثقافياً يُعدّ من المشاريع الثقافية الأكثر إثارة في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط.

أوجدت وزارة الثقافة التونسية مقراً لمركز الموسيقى العربية والمتوسطية (CMAM) في قصر «النجمة الزهراء»، المسكن الفسيح الذي أعيد ترميمه بشكل جميل والذي كان منزل الرسّام وعالم الموسيقى الفرنسي رودولف ديرلانجي (1878-1932).

يؤدي هذا المركز العديد من المهام، مثل الترويج للفعاليات الموسيقية والاحتفاظ بمجموعة من الموسيقى التونسية والأرشيف الوطني للتسجيلات الصوتية، الذي يحافظ على جميع الوثائق الموسيقية التونسية والعربية بحيث يجعلها متوافرة للباحثين الذين يدرسون الموسيقى. كما أنه يضمن المحافظة على التراث الفني والموسيقي العلمي الخاص بديرلانجي، ويعمل كمتحف ومكان لتنظيم الحفلات الموسيقية في باحات القصر الداخلية.

علاوة على ذلك، أصبح مركز الموسيقى العربية والمتوسطية في الأعوام الأخيرة محركاً مهماً للتبادل الموسيقي والثقافي بين أوروبا والعالم العربي. ويقول منير الهنتاتي، رئيس قسم العلاقات العامة ونائب مدير المركز: «كثيراً ما يكون أول لقاء بالموسيقى العربية بالنسبة للموسيقيين الغربيين الشباب الذين يشاركون لدينا في ورشات العمل مثل الوحي والإلهام». ويضيف: «كما أن المشاركين التونسيين يكونون سعداء بفرصة تعلّم موسيقى الجاز أو الموسيقى الكلاسيكية من مصدرها المباشر».

ولو قُدّر لمشيّد هذا القصر أن يسمع ذلك، فسوف يكون من دون شكّ في غاية السعادة، إذ إن الفنان والباحث الموسيقي، رودولف ديرلانجي الذي عاش منذ العام 1910 وحتى وفاته في العام 1932 في ضاحية سيدي بوسعيد، كان بالذات وسيطاً لإيجاد تفاهم أكبر بين الشرق والغرب. كما أنه شارك مشاركة فعّالة في التخطيط لمؤتمر الموسيقى العربية الأول الذي عقد في القاهرة في العام 1932.

ويعود دافع رودلف ديرلانجي للاستقرار في تونس إلى إحياء الحضارة العربية الأندلسية. فكان قصر النجمة الزهراء قاعدة لهذا المشروع. فدرس الفنان ديرلانجي أهم الصروح المعمارية على الطراز الأندلسي، وفي مدينة تونس القديمة قام بوضع الرسومات التفصيلية لمبانٍ برمَّتها، وابتكر من كل ذلك صيغته الخاصة من المعمار الأندلسي: قصر بنمط معماري عربي بتصميم داخلي على الطراز الإيطالي والعربي والبريطاني يجمع ما بين الثقافات الشرقية والغربية.

وفي العام 1989، قامت الحكومة التونسية بشراء القصر وحوّلته إلى نصب تذكاري وطني. وبذل عدد من الفنانين التونسيين المعروفين، مثل عازف العود الشهير أنور إبراهم والشاعر والرسَّام التونسي علي اللواتي جهوداً كبيرة لكي لا يتم في هذا القصر تأسيس متحف وحسب، بل كذلك مشروع حيوي متعدِّد التخصّصات.

أما أقدم المعروضات الموجودة في الأرشيف الوطني للتسجيلات الصوتية، فقد جمعها الباحث الألماني المختص في علم موسيقى الشعوب، باول تريغر، الذي قام في العام 1903 بتسجيل الأغاني الشعبية التونسية. ويقول منير الهنتاتي، الذي يتمنى الحصول على تمويل أكبر للأبحاث الموسيقية العلمية: «اكتشفت هذه المادة السمعية في أثناء زيارة لي إلى أرشيف التسجيلات الصوتية الألماني في برلين»، مضيفاً «في زيارتي إلى برلين علمت أن بعض الباحثين الألمان سجلوا إبان الحرب العالمية الأولى كلمات الأغاني التي كان يغنّيها أسرى الحرب التونسيين وألحانها وإيقاعاتها».

وفي اللغة الألمانية تمت معالجة قسم من هذه الأبحاث بطريقة علمية. ولكن في تونس لا يُعرف أي شيء تقريباً عن هذه التسجيلات وعن المواد التي تم جمعها في أثناء ذلك.

لقد تغيّر المفهوم الموسيقي الخاص بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية على مرّ السنين. ويقول منير الهنتاتي: «في الأعوام الأولى تَركّز اهتمامنا على إنتاجنا للموسيقى التقليدية». أمَّا الآن، فقد تحوّل الاهتمام إلى اللقاءات الدولية من خلال إقامة الحفلات الموسيقية العمومية وورشات التكوين المعروفة باسم «ماستر كلاس». وفي كل عام يلتقي عدد من عازفي موسيقى الجاز المنفردين القادمين من بلجيكا وتونس ومن أقطار أخرى ضمن دورات تكوينية تقام في المركز تحت عنوان «ألوان» (Colours).

وبدعم فرنسي، تجمع فعالية أخرى تحت عنوان «بارعون شباب» عدداً من العازفين الشباب المختصين بالموسيقى الكلاسيكية في مركز الموسيقى العربية والمتوسطية لتقديم عرض موسيقي. كما يشارك موسيقيون عالميون من القارات الخمس في تظاهرة «موسيقات»، المكرسة للموسيقى التونسية.

وفي حفل تأسيس مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، قال عازف العود التونسي الشهير أنور إبراهم: «أتمنى أن لا يشجِّع هذا المركز التبادل بين العالم العربي وأوروبا فحسب، بل التبادل مع كل العالم». وكم هو جميل حينما تتحوّل الأحلام إلى حقيقة.

العدد 2920 - الجمعة 03 سبتمبر 2010م الموافق 24 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً