انتشرت المخدرات في مجتمعنا... وإدمانها خطر يهدد شبابنا وأبناءنا وبناتنا... ويجب على الجهات المسئولة استئصال هذا الوباء وعلى رغم كل المحاولات للسيطرة عليه فإنه مازال موجودا بيننا يبحث عن عقول الشباب ليدمرها ويقضي عليها ويتركنا بشباب غير منتج ولا نافع ولا أمل فيه ولا انتظار لمستقبل مشرق معه... ويجب أن نفرق جيدا بين التعاطي والتجريب والمرحلة الثالثة التي يطلق عليها الإدمان.
وهناك علاقة ثابتة بين المراحل الثلاث من خلال البحوث والدراسات فلو أن كل 12 فردا قاموا بتجريب المخدرات يبدأ الربع منهم بدخول المرحلة الثانية وهي تعاطي المخدرات وبعد ذلك يبدأ ربعهم بإدمان المخدرات... وتبدأ مشكلة التجريب والتعاطي والإدمان دائما في سن المراهقة والذي يبدأ من سن 13 وحتى 24 وهي ليست مرحلة عشوائية، ولكن بعد إجراء الدراسات والبحوث ثبت أن تلك الفئة العمرية تتجه إلى المخدرات ليس عن طريق المصادفة ولكن لأن مرحلة المراهقة التي يختار فيها المراهق أسلوبا غير صحيح لحياته ينتج ذلك عن إهماله للجو الأسري ويتجه بتفكيره وكل ميوله إلى الشلة أو أصدقاء السوء، وذلك لأن بعض الأسرة البحرينية مازالت تعامل المراهق على أنه متخلف عقليا ولا يعرف مصلحته ولا يمكن الاعتماد عليه، ولا يتمتع بشخصية مستقلة وغيرها من الصفات التي تنسبها الأسرة له من دون وعي فتجعل المراهق يتجه إلى الشلة... ليشعر نفسه بأنه مستقل، وهكذا يبدأ في التعبير عن العدوان السلبي تجاه أسرته.
ويتحدث بعض الأطباء النفسانيين عن انتشار المخدرات وأنه لا يقتصر على فئة الطلاب فقط بل ينتشر بين العمال... ولكن الفئة التي تهم المجتمع هي فئة الطلاب لما تمثله للمستقبل، ولذلك هي الظاهرة أمامنا ولأن فئة الطلاب هي المستهدفة من قبل تجار المخدرات وهي نفسها الفئة التي تملك القدرة على الفكر والمحاورة... وتؤثر العوامل الاجتماعية والشخصية على الفرد فتجعله يتجه إلى المخدرات أو ما يملأ الفراغ في حياته.
إن ظاهرة وفيات المدمنين أصبحت مثار اهتمام الكثير من الجهات المختصة بشئون مكافحة المخدرات وخصوصا بعد تزايد انتشار أخبارها على صدر صحفنا المحلية... إذ تكون الوفاة نتيجة تعاطي جرعات كبيرة من المخدر أو استعمال خليط من المخدرات الخطرة.
وللأسف الشديد فإن هناك عصابات تجار المخدرات تستغل حاجة المدمن إلى المخدرات وعدم قدرته على شرائها في إجباره على الاشتراك في أعمال إجرامية وتدريبة عليها... كالبغاء والسرقة والترويج ببيعها... وعلى رغم ذلك ففي كثير من الأحيان يكون تعاطي المخدرات سببا بحد ذاته في ارتكاب الجريمة... فالتأثيرات التي يحدثها المخدر في عقول المدمنين قد تمنعهم من التفكير السوي وتسمح لهم بارتكاب السلوك المنحرف من دون وعي أو إدراك منهم... بالإضافة إلى إصابتهم بالهلوسة والاعتقادات الوهمية التي تشكل خطورة بالغة في نمط سلوكهم وتدفعهم لارتكاب أفعال منافية.
ومن العوامل التي تساعد على اتجاه الشباب للمخدرات غياب الأب والأم وسفرهما للخارج أو انشغالهما في عملهما ومحاولتهما تعويض الأبناء بوجود دخل اقتصادي مرتفع... بما يشعر الفرد بالرغبة في التميز مع الاستعداد الشخصي لذلك... هذا الاستعداد الشخصي هو الذي يفرق بين أخوين بالظروف والتنشئة نفسها فيدمن أحدهما والآخر لا يتجه إلى ذلك الطريق، وذلك لأن الأول دائما لا يستطيع وضع الحدود لنفسه والسيطرة عليها وينطبق ذلك على كل حياته... في الهوايات... في التعليم... فإذا كان ناجحا يستمر في النجاح من دون حدود وإذا كان فاشلا يستمر في فشله من دون محاولة لتصحيح مسار حياته حتى في العاطفة... وهكذا تتحكم العوامل الشخصية في سلوك الفرد... وعند بدء العلاج يجب وضع الفروق الفردية أمام أعيننا وتغيير خطة العلاج بحسب الشخصية المرضية ويتضح ذلك بعد الجلوس مع المريض على فترات متقاربة وأول خطوات العلاج هي رغبة المريض في الشفاء التام.
كما أن المخدرات تصيب الفرد بأمراض كثيرة أولها الاكتئاب النفسي... إذ يرغب مدمن المخدرات في الانفراد بنفسه والانعزال عن المجتمع ما يصيبه بالاكتئاب، والرعشة التي تصيب خطواته ويديه مع عدم القدرة على التحكم بجهازه العصبي وضعف الذاكرة وعدم القدرة على إقامة حوارات جادة... كذلك يصاب الكبد بالتليف، مع إصابة الجهاز التنفسي بالدرن، جلطات الرئة من أشهر الأمراض الناتجة عن تعاطي المخدرات، السكتة القلبية والتي تنتج عن تناول المخدرات بكثرة، السرطان وخصوصا سرطان الثدي للنساء والبروستاتة للرجال، كما تؤثر المخدرات على الهرمونات... وأخيرا فإن المخدرات تفكك الأسرة وتصيبها بالاضطراب وتنشر الجرائم المتنوعة في مجتمعنا.
والكلام في هذا الموضوع مهما طال أو كثر فلا يمكن أن يكفي لحماية الأبناء من المخدرات إذا لم يقترن ذلك بالقدوة الحسنة من قبل الآباء والأمهات... وفاقد الشيء لا يعطيه.
مصطفى معتوق القصاب
العدد 1112 - الأربعاء 21 سبتمبر 2005م الموافق 17 شعبان 1426هـ