المتأمل لما يحدث في العراق تبرز أمامه عدة نتائج تتشابك في ظاهرها وتجتمع في معطياتها النهائية، وبصورة أوضح فإن الأطراف التي من مصلحتها إذلال الشعب العراقي متعددة ومشاربها العقائدية والأيدلوجية متنوعة ومتباينة ولكن تجتمع جميعاً في نقطة محورية واحدة وهي تدمير مستقبل الشعب العراقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى... حتى لا أذهب بك عزيزي القارئ بعيداً وتصبح المسألة غير واضحة أقول وبكل صراحة إن الأطراف التي تريد بالشعب العراقي شراً كثيرة وتتزعمها رايات الحقد والكراهية للإنسانية وإن ادعت زوراً وبهتاناً مقاومة المحتل الأميركي في شعاراتها الزائفة، وهذا بين وجلي لكل فرد ينظر إلى ما يحدث ببصيرته. هذه الأعمال الإجرامية التي ترتكب في أرض الرافدين ويسقط بسببها الكثير من الضحايا الأبرياء من أبناء العراق، ليس لذنب اقترفوه إلا لأنهم رفضوا الخضوع لغير الله... هذا في حد ذاته أغضب تلك الأطراف التي نذرت نفسها للشيطان واتخذته إماماً لها وإن لعنته أمام الملأ ليلا ونهاراً.
أميركا رأس الأفعى التي دخلت العراق من أجل الهيمنة على مقدرات هذا البلد وظنت أنها بذلك استحوذت على أكبر بحيرة نفطية في العالم، وظنت أيضاً أنها سيطرت على عقول رجالات العراق بحجة ما ترفعه من شعارات رنانة لتحرير الشعب العراقي والديمقراطية، ولكنها أحست بالفشل الكبير من الأيام الأولى عندما تبيّن لها خلاف ما تعتقد تماماً، والصفعة الأولى عند دخولها المدن العراقية إذ لم تستقبل بالورود والحفاوة كما كانت تعتقد، والصفعة الثانية عندما فشلت في تطويع القيادات والمرجعيات الروحية الراشدة والحكيمة التي ينقاد إليها جل الشعب العراقي المسلم، شعرت أن وجودها مهدد بالخطر في المستقبل المنظور في بلد لا يؤمن شعبه بالقوة المادية ويستمد قوته من إيمانه بالقوة الإلهية المطلقة... رأت أن مستقبلها لا يبشر بالخير في ظل هذه الحال، وكأنها شخصت المسألة وتوصلت إلى نتيجة أن ما يحدث، الهدوء الذي يسبق العاصفة، وعليها أن تتحرك وبسرعة قبل حدوث العاصفة التي قد ترمي بقواتها إلى خارج الحدود، وخصوصاً عندما حاولت مراراً وتكراراً مقابلة القيادات الروحية للتشاور في الشأن العراقي ضمن الواقع الجديد وفشلت، حز في نفسها موقف المرجعيات الدينية الصلب تجاهها، والذي لم يلين تحت أصعب الظروف وأقساها، صمدت بالأمس القريب وبكل قوة أمام الإغراءات الصدامية تارة وصبرت أمام التقتيل والتشريد الذي مارسه صدام ضدها تارة أخرى، لم يستطع إركاعها وإذلالها أبداً على رغم قسوته وجبروته، ولاحظ النظام البائد أنه كلما ضيّق عليها الخناق اشتد عودها وأكسبها قوة على قوتها، لأنها آمنت بربها فزادها عزة وكرامة وثمنها الصبر والثبات، وهنا بحثت الإدارة الأميركية عن مخرج قبل فوات الأوان، واهتدت إلى تحريك عدة قوى لا تؤمن بالله رباً وتؤمن بالشيطان إماماً وإن أعلنت خلاف ذلك، وإنما أفعالها الشنيعة من قتل بالهوية وبالجملة وآخرها ما حدث في الكاظمية البطلة عندما أرسلت أحد عبدة الشيطان وفجر نفسه أو فجر من بعد بأيد خبيثة مولتها خزينة المحتل من أجل تحريك النعرات الطائفية البغيضة في مجتمع لا يؤمن إلا بالوحدة الإسلامية... نقول هذه الممارسات الدنيئة التي لا يقرها من عنده ذرة من الإيمان بالله ونسبة بسيطة من الإنسانية ولا يباركها إلا الشيطان الرجيم! وإلا ما ذنب عمال جاءوا من أجل أن يؤمّنوا قوت عيالهم حتى يُقتلوا وتقطع أجسادهم إلى أشلاء متناثرة؟ ما المبرر الذي ستسوقه تلك القيادات التي دفعت بذلك الذي فقد عقله وإنسانيته ليفجر سيارته المفخخة في وسط أناس أبرياء، نقول للشعب العراقي البطل إنك في بداية الطريق فلا تقنط من رحمة الله، واعلم أن طلب العزة والكرامة يحتاج إلى صبر على البلايا والنوائب، وتأكد أن كل محاولاتهم ستفشل إذا ما صبرت وتمسكت بقياداتك الروحية، وتيقنت أن كل هذه المحاولات من أجل أن تكفر بمرجعياتك وبقياداتك التي تريد لك الخير والعافية في الدنيا والآخرة، وعند ذلك يسهل عليهم إخضاعك وإذلالك ونهب خيراتك... فبصمودك الصلب ستفشل كل القوى المعادية للإنسانية مهما قويت ومهما دعمت من القوى الكبرى في العالم، ومهما تكاتفت وتضافرت عليك.
لا نقول إلا صبراً يا أهل العراق الأبيّ الشامخ فإن موعدكم النصر المبين بإذنه تعالى، وبشائره لاحت في الأفق على رغم كثرة الضحايا من الرجال والنساء والأطفال... هنيئاً لكم هذا الصبر الذي أعجز كل معاد وأذهل كل شيطان مارد، ونسأل المولى العلي القدير أن يقوي عزمكم ويحفظ وحدتكم سنة وشيعة وكل أطيافكم من كيد الأعداء وشر الأشرار وطوارق الليل والنهار، ويجعل أيامكم المقبلة أيام خير وبركة، وأن يرحم الشهداء الذين سقطوا على أيدي المجرمين الأوباش وأن يثبت أقدامكم على طريق الحق... آمين رب العالمين.
سلمان سالم
العدد 1112 - الأربعاء 21 سبتمبر 2005م الموافق 17 شعبان 1426هـ