غسان ربيز - معلّق عربي أميركي حول قضايا التنمية والسلام والعدالة وهو سكرتير الشرق الأوسط السابق لمجل
21 أكتوبر 2010
يؤدّي انعدام الثقة المتبادل بالعديد من الفلسطينيين والإسرائيليين لأن يعتبروا السلام سراباً. وبما أن الدين يلعب دوراً مهماً في تبرير النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، يحتاج السياسيون لمساعدة القادة الدينيين في بحثهم عن الحل.
وتكمن المشكلة في أنه في الكثير من الحالات، تركّز الشخصيات القيادية للديانات الثلاث بشكل زائد على «حماية» المجتمع من تآكل التدين والتقوى أو تهديد التطبّع لبذل اهتمام كافٍ للتمكين المعنوي. يدافع عدد كبير من القادة عن ملكية الأرض على حساب العدالة، ويعملون على عقلنة الحرب ونتائجها ومكتسباتها، ويذكّرون شعوبهم بضرورة متابعة العدو بوعي وتصميم، مستخدمين تفسيرات جزئية للنصوص المقدّسة لهذا السبب.
كذلك يقوم القادة الدينيون من خارج المنطقة أحياناً بإذكاء نيران النزاع، دون وعي منهم أحياناً بأنهم يفعلون ذلك. تتبنى هذه السلطات أحياناً، وهي تقيم خارج المنطقة، وهي متحررة من اعتبارات الحياة اليومية المحلية، مواقف متصلبة. وتدعم الكنيسة الأميركية التي تتمتع بالشعبية على سبيل المثال إسرائيل بشكل آلي، رغم مخاطرتها بتهديد الأمن اليهودي على المدى البعيد. وحتى يتسنى لهذه السلطات الدينية أن تصبح ممكّنة للسلام، سوف يتوجب عليها التحول لتصبح عميلاً للمصالحة بين المجتمعات الدينية.
يجب أن يبدأ التغيير الديني في المنطقة. يجب أن تصبح الرسالة الدينية قابلة للتغيير أخلاقياً. سوف يأخذ القادة الدينيون موقعهم على طاولة السلام عندما يغيّر الأئمة والقساوسة والحاخامات خطبهم من الحرب إلى السلام، ومن اللوم إلى المغفرة. يجب أن تتحول المواعظ الأسبوعية لكافة الأديان كذلك من تحقيق الأمن عبر مصادرة الأراضي إلى الأمن عبر علاقات جيرة وصداقة، ومن الدفاع عن الهيمنة إلى الاستعداد لقبول شرعية مطالبة الآخر بالأرض.
ليست الأخبار الجيدة موجودة. قابلت خلال ثلاث عشرة سنة من العمل مع مجتمعات متنوعة في الشرق الأوسط من خلال عملي مع مجلس الكنائس العالمي العديد من القادة الدينيين الشجعان الذين تحدّوا المبادئ والمعايير المؤسسية واختبروا تقاليدهم وخاطروا بأمنهم الشخصي في العمل من أجل العدالة والسلام عبر الصدع الديني.
شهدت أعمال القادة الفلسطينيين العاديين في الكنيسة الذين قدّموا الخدمات للاجئين لعقود عديدة، ليس من خلال الصدقات بل من خلال مشاريع مساعدة الذات. وتعتبر الكنائس البروتستانتية في الأراضي المقدسة رائدة في حوار الأديان، وهذا النوع من التحرير الفلسطيني في العلوم الدينية له علاقة بكافة الكنائس والديانات، فهذه المبادئ الدينية تخدم الفقير والمظلوم بغض النظر عن الهوية الدينية أو السياسية أو العرقية.
وينشط العديد من القادة اليهود في إسرائيل في الحوار مع المجتمعات المسلمة، وينتقل بعضهم إلى الخطوة التالية، على سبيل المثال وفي ثمانينيات القرن الماضي حاول ناشط سياسي ذو عقلية دينية وزوجته إعادة منزل كانوا يمتلكونه إلى مالكه الفلسطيني الأصلي تعيش أسرته في مخيم للاجئين في بيروت. رفضت الحكومة المبادرة ولكن وبدعم كنسي تم تحويل البيت إلى بيت مفتوح للصلاة والحوار مع الأسر العربية.
يعود الفضل لدعم بعض رجال الدين المسلمين الملتزمين، لتحوّل قيادة الكفاح الفلسطيني اللاعنفي من كونها محدودة في مشروع كنسي ترعاه الكنيسة إلى برامج مقاومة مجتمعية في كافة أنحاء الدولة، تبقى مستمرة. وتشكل التظاهرات التي تطالب بالعدالة في الضفة الغربية جزءاً من هذه الحركة.
هناك بعض الأمثلة حول كيف يمكن للدين أن يشجّع السلام في الشرق الأوسط. ولكن يجب تكرارها وإكثارها وتطويرها حتى يتسنى البدء في مواقع جديدة.
فيما يلي بعض الأفكار:
يتوجب على قادة جميع الأديان المناداة بالتسامح الديني من خلال المناهج المدرسية. يستحق التسامح الديني، مثله مثل قضايا ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، مجالاً ولو ضئيلاً في غرف الصف.
وللتوسع في فكرة «الصلاة دون حدود»، ما رأيكم بمباشرة مركز مواجهة في القدس يستطيع المسيحيون واليهود والمسلمون الصلاة والعبادة فيه من أجل السلام جنباً إلى جنب؟
تشكّل استعادة التراث اليهودي في العالم العربي خطوة أخرى. يجري إعادة تأهيل دور العبادة اليهودية التي تم هجرها منذ فترة طويلة في كل من القاهرة وبيروت. يمكن لعملية إعادة بناء التراث اليهودي هذه أن تحث على المصالحة والتسوية، إلا أن مشاريع عمرانية كهذه يجب أن يُرافقها تبادل في الزيارات بين القادة الروحيين في إسرائيل والعالم العربي.
تكشف التجارب في أميركا اللاتينية وايرلندا الشمالية أن التعبير على مستوى المجتمع المحلي عن المغفرة من قبل ضحايا الحرب على جانبي النزاع أمر قوي من الناحية المعنوية. تساعد التعابير الجماعية هذه عن الصبر المعنوي في إيجاد مناخ سلام ويجب تشجيعها من قبل القادة الدينيين. يمكن للقادة المسلمين واليهود على سبيل المثال أن يساعدوا معاً أولئك الذين فقدوا محبيهم في الحروب حتى يتسنى التنظيم من أجل تبادلات بناءة.
حتى ولو نجح السياسيون في التوصل إلى الاتفاق فإن تطبيق السلام يتطلب الأمر معرفة بالمصالحة وتجربة مع المغفرة، وهي عناصر أساسية في الإيمان. وفي غياب القيادة الدينية النبوية سيبقى السلام في الشرق الأوسط على الأرجح سراباً.
العدد 2968 - الخميس 21 أكتوبر 2010م الموافق 13 ذي القعدة 1431هـ