العدد 1144 - الأحد 23 أكتوبر 2005م الموافق 20 رمضان 1426هـ

الإمام علي... صاحب مدرسة فكرية لاتزال قائمة حتى اليوم

في إسهامه الفكري والعلمي أصالة وسبق ونبوغ وتفوق "1-2"

الحديث عن اسهام الامام علي بن أبي طالب "ع" الفكري والعلمي في حركة التنوير البشرية حديث عن العطاء الانساني في أسمى معانيه. حديث يأخذ بك إلى تلك الأجواء التي كان فيها الامام عالما وخطيبا وأديبا ومربيا فاضلا ومؤسسا لمدرسة فكرية خالدة في التراث الاسلامي لاتزال قادرة حتى يوم الناس هذا على ضم الطلاب اليها وعلى التفاعل والتأصيل للكثير من التيارات الفكرية القديمة والمعاصرة. ذلك أن الامام عليا فيما أعطاه كان ابن الاسلام البار الذي باع لله سبحانه وتعالى حياته ومداركه فأفاء الله عليه بجملة من المواهب الانسانية التي اختص بها. و"الوسط"، اذ تطرح هذا الموضوع على بساط البحث بمناسبة استشهاد الامام "ع"، تؤكد من خلال كلام المشاركين أن دور الامام في الحياة الانسانية دور أصالة ونبوغ وسبق وتفوق وليس دور مشاركة، ذلك أن دوره في ارساء جذور العلم والثقافة الاسلامية دور لايزال بمثابة منارة اشعاع تهدي الحيارى في طرق الحياة الملتوية.

فضل يعم الجميع

يؤكد رئيس المكتبات العامة بوزارة التربية والتعليم منصور سرحان أن الامام عليا كان دائم الحث على نشر العلم والمعرفة بين الناس من أجل أن يعيش الناس وسط مجتمع متحضر يؤمن بالقيم الانسانية الرفيعة والأخلاق الفاضلة. ويدلل على ذلك بالاستناد الى احترام الناس في مختلف العصور. ويضيف سرحان: "ليس غريبا أبدا أن يحتار العلماء والأدباء والفقهاء والفلاسفة وكتاب السير من المتقدمين والمعاصرين في شخصية الامام علي بن أبي طالب "ع". فقد زاد عدد الكتب المؤلفة لمؤلفين عرب ومسلمين وأجانب عن شخصيته، كما زاد عدد الكتب المؤلفة من دراسات وأبحاث التي كتبت عنه عن الآلاف. وعلى رغم كل ذلك لم تستطع تلك الأقلام بما سطرت، وتلك الأوراق أو الأقراص المدمجة بما حوت أن تفي حق الامام علي وفضله على البشرية جمعاء من ناحية الفكر والعلم والأدب. فقد كان "ع" عالما فذا، حكيما بارزا، فيلسوفا حاذقا، عالم رياضيات من الطراز الأول، وخطيبا مفوها نال من البلاغة وقوة الخطابة وسرعة البديهة ما لم ينله أحد في زمانه. اذ أخذ منذ بداية الدعوة الاسلامية وحتى توليه الخلافة واستشهاده، يحث المسلمين على طلب العلم والمعرفة، لتستنير القلوب وتغتسل النفوس من أدران الجهل والتخلف. وقد أدت جهوده تلك الى انتشار العلماء والأدباء والفقهاء والخطباء في عصره بشكل لم يسبق له مثيل. وبدأت المدرستان الكوفية والبصرية تلعبان دورا بالغ الأهمية في الحياة الأدبية واللغوية، وأخذت قواعد اللغة العربية تبرز الى الوجود في عصره، كما انتشر الخط العربي بزخارفه وفنونه المختلفة بفضل تشجيعه. وقد اهتم الإمام علي "ع" بنشر العلم بين المسلمين وطالبهم بالاغتراف من مناهله والتسلح به، فهو أفضل وسيلة لبقاء الانسان وخلوده. وجاءت أقواله وخطبه وحكمه وأشعاره تبين مدى عمق تفكيره وفلسفته الواضحة التي أدت الى تطوير المجتمع العربي ثقافيا وأدبيا وعلميا، فبرز في عهده علماء اللغة وجهابذتها، وجمهرة من الخطباء والمفكرين، وأخذت خيمة الجهل والتخلف تتهاوى الى الحضيض". وعن أثر هذا العلم يوضح سرحان: "أن هذا الاسهام الفكري والعلمي للامام علي انعكس على سائر المجتمع البشري حتى يومنا هذا، اذ كانت رؤاه وسعة علمه، واطلاعه، وأفكاره متقدمة على أفراد المجتمع البشري في عصره. بل هي متقدمة على أفراد المجتمع البشري في عصرنا هذا. لقد كان الاهتمام بطلب العلم ونشره بين الناس شغل الامام الشاغل. اذ كان لفكره الأثر الكبير على كبار الأدباء والمفكرين على مر العصور. فقد تناوله كبار المؤرخين والفلاسفة والأدباء وأشادوا بفضله وفكره النير. والمتبحر في بطون أمهات الكتب العربية يجد مدى الاهتمام بفكره وسعة علمه. كما أشاد كبار المؤرخين والأدباء والمفكرين في عصرنا الحالي بجهود الامام علي وفضله على البشرية جمعاء. أما نهج البلاغة فهو البرهان الحي الشاهد على بلاغة الامام علي وعظم نطقه وسعة علمه وأدبه وقوة بيانه. فقد تضمن "نهج البلاغة" فكر الامام علي ونهجه وفلسفته في الحكم، وهي فلسفة واضحة المعالم مبنية على العدل والمساواة والحرية وتوفير العيش الكريم لجميع أبناء الرعية، وعدم التفريق بينهم، ومحاسبة الولاة مهما كانت مكانتهم، وتطبيق حدود الله من دون خوف من أحد".

التأصيل للمنطق الفلسفي

هاهنا، يلقي عالم الدين والباحث الإسلامي السيد كامل الهاشمي الضوء على دور الامام في ارساء جذور المنطق الفلسفي وهو جانب مهم من جوانب اسهامات الامام علي الفكرية، اذ يقول الهاشمي: "ان للامام دورا في إرساء جذور المنطق الفلسفي: وهو الذي يعنى بتفهم وفحص وإدراك الترابطات بين الأسباب والمسببات، فهو منطق الأسباب والكيفيات، ومن خلاله تحل إشكالات الوحدة والبساطة، قال تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون. وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون. أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون" الأنبياء: 16 - 22". وفي معرض تفصيل شرحه يقول: "لقد عمل الرسول الأكرم "ص" على ترسيخ هذا المنطق في التفكير المسلم عبر اعتماده العقل بوصفه الآلية التي ينبغي أن يعتمدها المسلمون جميعهم في مهمات التفكير العلمي معتبرا أن العقل هو بمثابة المظلة التي يفترض أن يستظل بها كل أفراد المجتمع المسلم فقال "ص": "لكل شيء آلة وعدة وآلة المؤمن و عدته العقل، ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل، ولكل شيء غاية وغاية العبادة العقل، ولكل قوم راع وراعي العابدين العقل، ولكل تاجر بضاعة، وبضاعة المجتهدين العقل، ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل، ولكل سفر فسطاط يلجأون إليه و فسطاط المسلمين العقل" - المجلسي: بحار الأنوار، ج،1 ص.95 وبطبيعة الحال لا يمكن لأي باحث في تاريخ تطور الفكر الإسلامي أن يتناسى الدور الأساسي والكبير والمتميز الذي قام به الإمام علي بن أبي طالب "ع" عبر خطاباته وكتبه ومحاوراته في التأسيس والتأصيل لفاعلية المنطق الفلسفي في تشكيل الرؤية الفلسفية والعقيدية للإنسان المسلم، وهي الرؤية التي أكد الإمام علي "ع" ابتناءها على قانون السببية والعلية الذي يفسر مختلف الارتباطات الوجودية والكونية، ما يجعله منطقا صالحا للفهم والتفسير ولتشكيل منظومة عقيدية متماسكة وصلبة

العدد 1144 - الأحد 23 أكتوبر 2005م الموافق 20 رمضان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً