العدد 3092 - الثلثاء 22 فبراير 2011م الموافق 19 ربيع الاول 1432هـ

اللا عنف: مفتاح التغيير في مصر

مايكل ناغلر - أستاذ فخري بجامعة كاليفورنيا ببيركلي، ومؤسس مركز ميتا للا عنف، ومؤلف الكتاب الحائز على 

22 فبراير 2011

أثار الاختراق المثير للدهشة في مصر، عندما تنحى الرئيس حسني مبارك بعد أسابيع من المظاهرات الاحتجاجية، أثار وبحق الانتباه حول العالم. إلا أنه، وكما هو الحال دائماً، لم يكن هناك سوى القليل من التعليق من وجهة نظر اللاعنف. وفي الوقت الذي استخدم فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما على الأقل كلمة «اللا عنف» في خطابه الأخير الذي هنأ فيه المصريين، يتوجّب علينا أن ندرك أنه يكمن في اللاعنف ما هو أكثر من مجرد التظاهر الاحتجاجي بدون سلاح.

لعلَّ عدم الانتباه لهذه النقطة يشكل إغفالاً للأهمية الحقيقية لهذه الأحداث، ليس فقط بالنسبة إلى مصر وإنما بالنسبة إلى العالم كله.

وبحسب دراسة دقيقة أدارها أدريان كاراتنيكي للمركز العالمي حول النزاع اللا عنفي، الذي يعمل في مجال تثقيف الجمهور العالمي والناشطين والمنظِّمين حول اللاعنف، فإن احتمال تحقيق الثورات التي حصلت في 67 من التحولات التي جرت مؤخراً من نظام سلطوي إلى الديمقراطية، للحرية والديمقراطية تكون مضاعفة إذا تمت بشكل لا عنفي. «لا تؤدي العديد من التحولات من الحكم السلطوي إلى الحرية،» حسبما يشير التقرير. إلا أنه عندما يتم الالتزام باللاعنف فإن احتمالات نتيجة سعيدة كهذه تتحسن إلى درجة كبيرة. هذا هو ما حدث في مصر. لقد احتوى الوضع بالتأكيد على لحظات متوترة مليئة بالتحدي عندما واجه الأفراد الوضع وأعربوا عن نوعٍ أكثر عمقاً من الشجاعة والالتزام. وعندما اصطدمت الشرطة مع المتظاهرين أمام مسجد في الإسكندرية، كتبت صحيفة «النيويورك تايمز» قائلة:

«هتف الجمهور: سلمية، سلمية». سار العديد من المتظاهرين مرفوعي الأيدي إلى الشاحنة الخضراء حيث كان ضابط يرتدي خوذة يطلق قذائف الغاز المسيل للدموع ليس في الهواء وإنما في أجساد المتظاهرين. تقدم رجل يلبس قميصاً مخططاً إلى الأمام وركع أمام الشاحنة. تجمّع الشرطة وراء دروعهم ممسكين بهراواتهم، ولكنهم لم يضربوا». بدلاً من ذلك تراجعوا ببطء نحو شاحناتهم، وبهذا انتهت المواجهة.

كرر المواطنون القاهريون العملية التي شوهدت في «ثورة المقاومة» ببلاد الصرب العام 2000 حيث أدت المظاهرات اللاعنفية إلى نصر سريع والإطاحة بالرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش. ولكن كما أظهر التاريخ فإن هذا النوع من اللاعنف هو مجرد بداية، ويمكن أن يشكّل مقدمة لنوع الفوضى التي يمكن للقوى الظالمة استغلالها، ما لم تبنِ جماهير ميدان التحرير على الشجاعة التي أظهروها، وتصر على نوع الوحدة التي عبّروا عنها أثناء المظاهرات الاحتجاجية عندما خرج المسيحيون والمسلمون، رجالاً ونساءً إلى الميدان. عليهم الآن أن ينتقلوا من الاحتجاج إلى تشجيع خطة أساسية إيجابية لمستقبل مصر. وحتى يتسنى لهم عمل ذلك فسوف يتوجب عليهم الاستفادة من كامل قوة اللاعنف. وكما قال غاندي، يمكن تفعيل هذه القوة عندما «تحب أعداءك»، وتضيف عملاً بنّاءً لقضايا تستحق الجهد في مقاومة الظلم.

لحسن الحظ أن ذلك ممكن، جزئياً لأن المظاهرات لم تمثل فقط عقلية الرعاع، التي تجمع الناس معاً في الشارع ولكن بدون توجه أو أهداف. وبعيداً عن تأثرهم بالثورة المماثلة في تونس فقط، كان بعض الشباب المصريين يخططون لهذه الثورة منذ فترة تصل إلى ثلاث سنوات، وكانوا ينظّمون الإضرابات والاحتجاج عبر المدوّنات والفيسبوك. تواصل هؤلاء الناشطون المصريون مع المحاربين القدامى من ثورة المقاومة الصربية، الذين أسسوا مركز العمل التطبيقي اللاعنفي واستراتيجياته في الصرب، وهدفه بالذات إيصال «الممارسات الفضلى» في الكفاح اللاعنفي.

بمعنى آخر، هناك تقليد طويل من اللاعنف ظهر إلى الحياة في القاهرة. يستطيع المصريون البناء على هذا التقليد، ويستطيع الناشطون خارج مصر مد يد العون.

لقد أثبت مؤرخو حركات اللاعنف أن العصيان اللاعنفي لا يمكن استيراده من الخارج. ولكن عندما لا تحصل الحركات الناشئة محلياً على أي دعم من المجتمع الدولي فإنها نادراً ما تنجح. كان هذا الدعم آتياً في الواقع، كما رأينا. يستطيع المدربون والمستشارون في مجال اللاعنف الآن أن يمدوا يد العون في بناء الديمقراطية، التي تمشي يداً بيد مع اللاعنف. يتوجب على هؤلاء منا، الذين لهم اتصالات في المنطقة أن يشجعوهم على الترويج «لدورات سريعة» في كامل قدرات اللاعنف، بما فيها قدرته الكامنة على إرشاد تحويل السلطة إلى نظام أكثر استقراراً. أظهر المتظاهرون شجاعة وتصميماً. الأهم من ذلك أنه كان لديهم الشعور بالتراجع عن تعبيراتهم المبكرة بالغضب الفج والعنف. وهم يستطيعون الآن التحول إلى العمل الأقل درامية والأكثر بقاءً ببناء مصر أفضل بمساعدة شركائهم في المجتمع الدولي.

العدد 3092 - الثلثاء 22 فبراير 2011م الموافق 19 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً