حينما انتقد بعض اللوردات البريطانيين الرئيس الليبي لعدم وجود مجلس للوردات في ليبيا، اجابهم الرئيس القذافي ساخراً... بقوله «أولاً... احضروا لي اللوردات، وسأصنع لهم مجلساً بعد ذلك...!»
كانت بنود الدستور واضحة، فجلالة الملك يعين أعضاء مجلس الشورى ليشاركوا مجلس النواب المنتخب مهمات الرقابة والتشريع. قام الملك بواجباته الدستورية، إلا أن الأعضاء لم يباشروا مهماتهم، بل تفرغوا ببساطة لمجاملة الحكومة تارة، وللتلويح لمجلس النواب بإسقاط أي منجز سياسي له تارة آخرى.
كان المشهد السياسي الصحي يقتضي ظهور مؤسسة رقابية نخبوية، إلا أن افرازات السنوات الأربع كانت كفيلة بأن تتحول هذه المؤسسة مما كان مؤملا لها أن تكون، لتصبح كائناً شبحياً، تارة يراه البعض مقوضاً للمنجزات الوطنية، أو مؤخراً لعجلة الإصلاح السياسي تارة أخرى.
لم تكن هذه الصورة السلبية تمثيلاً حقيقياً لطموح «جلالة الملك» لهذه المؤسسة الدستورية، كان من المفترض، أن يكون المجلس جهاز التمثيل الملكي الداعم في تفعيل الإصلاحات السياسية على شتى الأصعدة، إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال، وستكون لـ «جلالة الملك» كلمته الفصل نهاية هذا العام.
رياضة أقلية
«رياضة أقلية»، لا يمكن اعتبار هذا التوصيف «تهمة أولى» فسرد محاكمة المجلس طويل ومتشعب في أذهان الجميع. كان مجلس الشورى خلال السنوات الأربع الماضية كائناً «لا سياسياً»، كان حضوره يحمل الارتياب في الإيمان بقدرته على تغيير الأشياء والقناعات، أدى هذا الأمر إلى ظهور بيانات تشير إلى إنعدام الثقة من جانب، وإلى تقويض ذلك الافتراض بأن المجلس سيحقق نطاقاً/ دوراً سياسياً جديداً للمهمة التشريعية، إلا أن هذا الدور في تجليه الأخير، لم يزد عن كونه أشبه بـ «رياضة أقلية»، تنظر لها طبقة «المعدمين» بأنها مجرد «ترف برجوازي».
ضعف + ضعف = مصيبة
«نعم، كما تتوقعون... نحن هكذا... أتينا لندعم الحكومة ولنضعف من مجلس النواب المنتخب، الضعيف أصلاً!»، كانت هذه الكلمات هي رسالة المجلس التي حرص على إيصالها لكل مواطن بحريني، كانت السنوات الأربع التي كلفت الموازنة العامة للمملكة علي مدى أربع سنوات ما يقارب 18 مليون دينار «دينار بحريني». كفيلة بما افرزته من معطيات برواج - غير مسبوق - لاعتبار تجربة السنوات الأربع الأولى من عمر المجلس بأنها أفضل التجارب السياسية العربية أخفاقاً.
«الشورى» الإرادة الملكية...
تاريخياً، كانت فكرة نشوء «مجالس الشورى» مرتبطة بالأساس بحوادث حرب الخليج الأولى 1990 (احتلال صدام حسين لدولة الكويت)، وهذا لا يعني أن المراهنة على مجالس الشورى كبداية للإصلاح السياسي استمرت حتى مع الانتقال للحياة الدستورية في البحرين 2002، استمرت المجالس لكن بروح مختلفة.
هذا التحول الذي أسسه مشروع جلالة الملك تم بالاعتماد على «فكرة»، مفادها «أن الإرادة الملكية لم تشأ أن تقع التجربة البرلمانية الجديدة في الإزمة السياسية العاصفة نفسها التي مرت بها التجربة السبعينية في السنة الثانية من تفعيل دستور 1973»، من جانب آخر، كانت الفكرة تمثل «ضمانة» دستورية في كبح الطموحات المبالغ فيها من للمعارضة والتي قد تزعج الفاعلين السياسيين في المشهد السياسي العام.
كانت الفكرة تعتمد على صوغ مجلس «معين»، مهمته معادلة «المجلس المنتخب». هذه المعادلة يشوبنا الاختلاف في التنظير لها، هل «مجلس الشورى» هو أداة «ضبط»؟، أم أداة «تحجيم»؟، أم أداة «تطوير»؟!، ولا ضرورة في الاتفاق على إحدى هذه التنظيرات تحديداً، فكل «مواطن» هو عضو في «لجنة المحلفين» في محاكمة «الشورى»، وله حكمه الخاص به.
المهم، أن «مجلس الشورى» 2002 انتقل من كونه رؤية سياسية إصلاحية إلى أداة «ضبط» و«إعاقة» للمجلس المنتخب، الذي يشاركه في «الصلاحيات التشريعية»، لم يستطع المجلس الحصول على «تموضع سياسي» جيد داخل المنظومة السياسية البحرينية، والغريب أنه لم يكن محتاجاً طوال السنوات الأربع لأن يلعب دوره «المنتقد»، إلا مرة أو مرتين.
«مجلس الشورى»... طحنته المعارضة!
نعم، كانت تلك الحصيلة الأرشيفية من المقالات والمقابلات التي أجرتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية مع أقطاب الجمعيات السياسية المقاطعة للبرلمان 2002 كافية لتحقيق هذا الفرض، لو حاولنا جمع البيانات والتعيقات والندوات التي وجهتها المعارضة للمجلس في الأعوام ما بين 2002 و2004 لكان من السهل أن نذهب إلى أن «مجلس الشورى» كان يتعرض لحملة إعلامية منسقة ومركزة، هدفها الإيقاع باعضائه في سلبية التلقي، والتعامل القلق مع الملفات الوطنية.
استطاعت المعارضة عبر خطابها السياسي الناقد أن تؤسس لحال من اللاتوافق الوطني تجاه مجلس الشورى، والأكثر أهمية هو أننا إذا ما تابعنا أنماط التغطية الصحافية لأخبار جلسات مجلس الشورى فإننا سنجدها لا تقترب من الصفحات الأولى نظراً لمستواه أدائه السياسي، جلالة الملك لم يعط أعضاء المجلس «أجندة خاصة» ليتبعوها، إلا ان الأعضاء على ما يبدو كانوا فهموا ما يشبه وجود مثل هذه الأجندة من دون ان يطلب منهم أحد ذلك، «الأعضاء» توهموا أن أجندة الحكومة ورغباتها هي أجندة «جلالة الملك»، وهنا كان المقتل.
يعلق الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان في مقابلة أجرتها معه «الوسط» قائلاً: «أين النوعية في تعيين أعضاء مجلس الشورى، مع احترامي الكامل لأعضائه، فأين رؤساء الجمعيات الكبيرة في المجتمع المدني، وأين رؤساء غرفة التجارة والصناعة؟، هؤلاء يمثلون اللبنات الأساسية للمجتمع».
هذا الواقع السياسي المفروض من الأعضاء انفسهم صنع «هوساً» بأن المجلس لا يستطيع أن يكون ذا فاعلية في التجربة السياسية البحرينية، وهو ما جعل من أعضاء مجلس الشورى يبدون كالعواجيز القابعة في آخر تواريخهم السياسية، على رغم أن واقع الأمر يعكس خلاف هذه الرؤية، سواء على صعيد تخصصاتهم العلمية، أو خبراتهم الإدارية.
المجلس عبر سلبيته التشريعية والرقابية، حقق هذه الصورة ولم يكن الخطاب السياسي الملكي محتوياً على أية أدبيات سياسية تذهب إلى ان اعضاء المجلس يقضون حفلة تنكرية تمتد أربع سنوات متواصلة تنفق فيها المملكة من موازنتها العامة الكثير.
«الشوريون» سلبيون يكتفون بالجلوس على الكراسي
طبعاً، كانت هذه الصورة قابعة في أذهان الكثير من الناس، الاهتمام الشعبي والإعلامي بمجلس الشورى لم يكن اهتماماً واقعياً، والصحافة المحلية أولت المجلس المعين العناية القصوى على حساب مجلس الشورى.
لابد من ملاحظة النجاح الذي حققه «قسم العلاقات العامة» في المجلس، والأداء النوعي له، إلا أن المنتج الإعلامي للمجلس لم يحظ بالاهتمام الوطني، على رغم براعة تسويقه.
«الشوريون» كانوا مطالبين بتحفيز الرأي العام للفت الانتباه لأهمية أدوارهم، وأعتقد أن «مجلس الشورى» لم يستطع القيام بهذا التكتيك، ولو من البعد الإعلامي على الأقل.
كان على المجلس ان يبرهن على اهميته السياسية بالنسبة إلى المواطن البحريني واهتماماته وطموحاته، إلا انه كان يلعب في زاوية سياسية سلبية تذهب إلى ما هو نقيض هذه الرؤية. هناك بعد آخر يتسم بالأهمية، وهو أن الصورة الذهنية عن مجلس الشورى كانت متصفة بالتخصصية والنخبوية، كان المؤمل من المجلس الكثير، خصوصاً إذا ما طالعنا الكفاءات الفنية والنخبوية التي احتواها، وكان من المتوقع أن يلعب دوراً سياسياً تشريعياً نوعياً.
حققت بعض الأسماء في مجلس الشورى «شيئاً» من هذا الأداء النوعي بخجل، إلا أن الأداء السياسي والرقابي والتشريعي للمجلس في المستوى العام لم يرتق لهذه الصورة الذهنية التي انتظرها الناس منه.
لا، لم أجد في طيلة متابعاتي الإعلامية دلائل تشير إلى أن المجتمع البحريني فطن إلى ان مجلس الشورى كان أنجز «أداءاً نوعياً» سواء على الصعيد الرقابي او الجانب التشريعي، أو حتى في تناوله للحوادث المحلية الطارئة.
هل يعرقل «الشورى» إنجازات «النيابي»!؟
ممكن، يقول الشيخ علي سلمان في مقابلة تلفزيونية على قناة الجزيرة «الحكومة قادرة على تأخير النظر في أي اقتراح لمدة 22 شهراً وفق القانون، وبعد ذلك فإن القانون يخضع لقراءات المجلس المعين وإذا اختلف مع المجلس المنتخب اجتمع المجلسان، ومن ثم يرفع القانون في حال نجاحه في الاجتماع إلى الملك، وللملك 6 أشهر لدراسة القانون، فإذا رده الملك بمرسوم مسبب (حددت المادة 35 فقرة «ج»ما إذا كانت هذه الإعادة تتم في دورة الانعقاد ذاتها أو في الدور التالي له) ، فإن ذلك يعني إمكان تأخير الرغبة إلى 22 شهرا أخرى»...
وعليه فإن مجلس الشورى يستطيع تعطيل أي قانون لمدة تقارب «22 شهراً» فضلاً عن انه يستطيع أن يتسبب في تمرير الموازنة العامة للدولة من دون موافقة المجلس المنتخب، فقط عبر تأخيره التصديق عليها بالتعديلات التي طلبها المجلس المنتخب لمدة 15 يوماً فقط، يقول سلمان «إذا قدمت الدولة قانونا، وكان الطلب مستعجلا فإن المدة الممنوحة للمجلس المنتخب 15 يوماً فقط لإبداء رأيه وإلا ذهب القانون إلى مجلس الشورى ثم المجلس الوطني لمدة 15 يوما لكل منها، وإذا لم يبت المجلس في مدة 15 يوما جاز للملك أن يصدر مرسوما له قوة القانون كما هو موضح في المادة 87، ومن الواضح أن قانون الموازنة العامة يمكن تمريره بهذه العجالة وحرمان المجلس المنتخب من النقاش الجدي فيه أو في غيره من القوانين المهمة.».
وعليه، فإن المجلس حسبما ذهبت أدبيات المعارضة السياسية «يعتبر عائقاً امام أي منجز مأمول للمجلس المنتخب»، وهذا ما كان على الأعضاء تقويضه بالفاعلية التي لم نرها، كان لابد للمجلس أن يبرهن عبر أدائه السياسي أنه ليس «أداة تأخير للمشروع الإصلاحي»، هذه المهمة الصعبة مع هذا الوضع الدستوري كانت تتطلب نشاطاً سياسياً نوعياً لم نسمع عنه البتة.
العدد 1285 - الإثنين 13 مارس 2006م الموافق 12 صفر 1427هـ