العدد 1287 - الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ

الألوسي لـ «الوسط»: الفن المعاصر مسئول عن الإباحية الفنية

حذر من المغادرة إلى لا شيء

التعبيرية - بحسب ما يصف الفنان العراقي شاكر الألوسي - هي أكثر مجالات الرسم إبانة لحرفية الفنان حاليا. ويعلل الألوسي ذلك بضياع الهوية والخصوصية بسبب الفن المعاصر. والنتيجة - في رأيه - خروج الاباحية الفنية بشكل سافر. فكل شخص يمكنه الاشتغال على الفن بذريعة الفن المعاصر ومن دون مقياس سوى الريادة. لذلك جاء معرض «نساء في زمن صعب» للألوسي والذي افتتح مساء السبت 11 مارس / آذار الجاري في مركز الفنون ليؤكد الفكرة التي آمن بها الألوسي بأن التعبيرية خصوصا التعبيرية التي تستند الى الواقعية تظهر أن الفنان يمتلك نوتة كما هو شأن الموسيقيين يعرف بها أساسيات وقواعد اللون والتخطيط التي تكوّن الى جانب عوامل أخرى أسلوبا خاصا بالفنان.

على هامش هذا المعرض كان لـ «الوسط» هذا اللقاء مع الألوسي اذ دار الحديث معه عن المعرض واشكال التقليد والتجديد والتعبيرية والتجريد وبعض شئون الفن العراقي الحالي، فالى هذا اللقاء...

أحسبني غير مخطئ عندما أقول انك تعول كثيرا على موضوع المرأة والتراث أكثر من الرجل في هذا المعرض، ولا أعلم دافعك الى ذلك، هل هو الحضور الغني لطقوس المرأة في التراث الشعبي أم هو الجانب الفني الذي يمتلك اضافات فنية أكثر من ناحية اللون في موضوع المرأة؟

- أنا أعشق المرأة وعشقي هذا هو عشق تاريخي يظهر في اللاشعور. وعشق حالي يأتي من عشقي المجتمع. فأنا لا أعشق المرأة لذاتها وانما أعشق مجتمعها. لذلك جاء هذا المعرض محاولة لتوظيف التراث الشعبي العربي والعراقي على وجه الخصوص. فهناك طقوس خفية وغريبة على الرجل تخص المرأة وتحمل مضامين متنوعة بين الفرح والحزن أو كلاهما. ولا شك أن الجانب الفني المتعلق بالمرأة يمتلك اضافات فنية أكثر من ناحية اللون. فأنت عندما تقوم مثلاً بالعمل على موضوع الرجل ليس أمامك إلا اللون الرمادي حتى في الأزياء والملابس ولكن الأمر مختلف بالنسبة للمرأة فهناك حرية لا محدودة بالتلوين كما أن هناك حرية لا محدودة بالتعبير. فضلا عن أن المرأة العراقية أو حتى العربية كان لها عالمها المغلق البعيد عن الرجل فموضوعاتها واشكالاتها مغلقة. وهنا حاولت في هذا المعرض أن أظهرها للخارج وأن أريها الناس بأسلوب ومعالجات فنية قد تكون حداثية ولكنها من واقع ملموس.

ان هذا الواقع الملموس الذي تحدثت عنه يحيلنا بالضرورة للسؤال عن اصرارك على المدرسة التعبيرية في رسم هذه اللوحات. فلماذا لجأ الألوسي الى التعبيرية مع أن هناك الكثير من الفنانين الذين استهواهم التجريد؟

- لأن التعبيرية - في نظري - هي أكثر مجالات الرسم بيانا لحرفية الفنان حاليا. ففي الفن المعاصر لا يوجد غير مقياس ومعيار واحد لكون هذا الفن صحاً أو خطأ والمقياس الوحيد هنا هو الريادة. والريادة بالفن المعاصر ليست للعرب. نعم هناك حداثة على مستوى الشكل والتجاوز في حضارة سومر وحضارة الفراعنة وحضارة دلمون مثلا. ولكن في الفن المعاصر وتحديداً التجريد ظهر قبل أواسط القرن التاسع عشر من قبل كاندنسكي ومودريال. والتجريد عادة يبحث في آفاق غير مرئية ولا مباشرة فبطبيعة الحال عندما يكون غير مستقر فان العمل لن يختلف كثيرا لأنه يعمل على الجانب التقني والتكنيكي وهو جانب ليس له موضوع. فالتجريد ليس له موضوع وانما عنده مضمون فني بحت خالص فهو يبحث في الفن الخالص فليس له موضوع يخولها القول إن الموضوعات تختلف فهو يعتمد على فكر الفنان ومزاجيته وعلى تهيئته للرسم الذي يمكن أن يكون له تحول. لكن في اللوحة والفعل الفني ليس هناك تحول واضح.

والخطورة أنك عندما تشاهد أعمال فنان عربي معاصر تجده متأثرا بفنان أوروبي. وذلك على عكس التعبيرية وخصوصا التعبيرية التي تستند الى الواقعية التي تظهر الجانب الحرفي من جهة والجانب الفني من جهة أخرى. ففي اعتقادي أن التجريدية هي فبركة ألوان وخامات وبالنتيجة لا نستطيع التعرف هل أن المرسوم هو طفل أو رجل مثلا.

نحن كعرب لنا تقاليدنا وطقوسنا ومفرداتنا المعمارية والشكلية والفنية التي يبحث عنها الغربي نفسه. فبوللكليه وغيره يردون الشرق لكي يستفيدوا من هذه المفردات بينما نحن نغادرها ونذهب الى اللاشكل. (رايت) مثلاً وهو من أشهر معماريي العالم عندما جاء الى العراق ودخل المدرسة المستنصرية وهي مدرسة العباسيين وهي معبأة بالنقوش والزخارف قال أنتم (الفنانون العراقيون) تتركون كل هذا العرف وتغادرون إلى لا شيء لكن أنا بالمقابل أستمسك بهذه المدرسة البغدادية التي تمتد من الواسطي حتى فنانينا الحاضرين كجواد سليم وشاكر حسن وضياء العزاوي الذين أسسوا مدرسة حديثة اسمها مدرسة بغداد وجئنا نحن من بعدهم كجيل جديد متمسكين بها.

أشرت الى جيلك من الفنانين فما هو حال الجيل الصاعد من الشباب هل يشعر بفجوة حقيقية بينه وبين هؤلاء الرواد؟

- الفجوة موجودة وقد حدثت نتيجة وجود تراكم كبير من الفنانين الشباب الذين ظهروا من خلال دراستهم في معاهد وكليات الفنون، لكن الحصار الاعلامي ومنه الحصار الثقافي منذ العام 1990 بازاء الحصار الاقتصادي ألقى بغطاء ثقيل على الفنان الشاب. فالفنان الشاب عندما كان يريد عمل معرض أو يشارك في بينالي أو مهرجان فني على مستوى الوطن العربي فانه يلاقي صعوبة كبيرة جدا. والأمر أيضا يتعلق بالنشاط الثقافي على مستوى الاعلام والصحف والكتب التي كانت لا تمنحه مجالاً لأنه اما كان جنديا بالحرب أو بالداخل فهذا الفنان الذي منذ أن كان عمرة 18 عاماً أصبح عمره في الأربعين وهو جندي أو موظف في تصنيع عسكري. جعلت من الفنان ذي عمر طويل وإعلام ضعيف.

ولكن ماذا عن الظهور؟ ان الكثير من الفنانين يجدون في التجريد فرصة أكبر للتواصل وبالتالي انتشارا أكبر لفن عراقي عالمي؟

- نحن نمتلك هذا الظهور. والفنان اذا لم يؤسس مكانا له بالمحلية فلن يكون له مكان بالعالمية فنحن عندما نرى فنا صينيا نقول عنه إنه فن صيني ومن ثم نقول إنه عالمي. ونحن نمتلك فنا عربيا فلماذا نغادره وندخل الى فنون غريبة. وهو ما يجعلنا عندما ندخل الى معرض فن عربي معاصر نتساءل أين هي كلمة عربي هذه؟ هناك فقط اسم الفنان، بينما اللوحة تجدها فرنسية أو مكسيكية وحتى إفريقية وهنا تضيع الهوية. بينما الأجمل أن تقول إن هذا الفن افريقي بصورة واضحة وبيكاسو وكل فناني العالم يأخذون منه. والأمر سيان بالنسبة إلى الفن الصيني والياباني وفن شرق أسيا. ولكن السؤال كيف يمكن أن نطور الفن الخاص بنا باتجاه التكنيك والخامة وننفتح على آفاق ونواح كثيرة ولكن بمفردة ذات رؤية جديدة.


نساء في زمن صعب

المنامة - شاكر الألوسي

مجموعة تقاليد وصفات لنساء عراقيات في ظل فترة زمنية سابقة، وجوه شرقية عيون وشفاه شبابيك وسجاد والوان متراكمة جميعها تزدحم على خلفية معتمة يعلوها غبار تلك الفترة، حاولت ان ابالغ في ابرازها باعتبارها ظاهرة خارجية لاطلاق المشاعر الداخلية المتولدة من الحاجة الملحة لتفريغ مجموعة الانفعالات والتأثيرات النفسية الحبيسة لدى نساء في زمن صعب.

في هذا المعرض شواهد لحياة لم اعشها ولكنني سمعت وقرأت عنها ومررت على اثارها ولكثرة تعلقي بها وبصورة مباشرة وبأسلوب فردي من خلال تكوينات منعكسة شعوريا تجاه مفردات تراثية وباللجوء إلى اسلوب المبالغة والتضخيم للتوصل إلى الصفات الاساسية المجردة للموضوع. لم أحاول التغلغل الحر في أدق التفاصيل والجمود في معطيات قشور الاغرائيات كخط أو زخرفة دقيقة من دون الاهتمام بالجوهر والروح.

ان محاولتي البحث في مسألة من خلال فن تشكيلي معاصر لا تعني الوقوف عند حافة الزمن في مرحلة من المراحل بل رغبة في استقصاء خلفيات التراث المؤثر فنياً من خلال الالوان والرموز والواقع المعاش في مرحلة معينة. تجربة قد تكون الأولى ولكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة للتمرس في عالم اللون والتكوين للوصول إلى معطيات التجاوز والحداثة في اللوحة العاصرة.

العدد 1287 - الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً