العدد 3215 - الأحد 26 يونيو 2011م الموافق 24 رجب 1432هـ

الدول العربية ينقصها الإحساس الحضاري بالثقافة

حداد لـ «الجزائر نيوز»:

قال الشاعر البحريني، قاسم حداد، في لقاء مع صحيفة «الجزائر نيوز»، إن الدول العربية ينقصها الإحساس الحضاري بالثقافة، رداً على سؤال بشأن مشروعه الإبداعي الذي تبنته ألمانيا وأقامته في برلين لمدة عام، تكفلت الدولة هناك بكل ما يحتاجه لإتمام مشروعه (طرفة بن الوردة)، مشيراً إلى أن الموقف يحتاج الى وعي عميق لدور الثقافة في المجتمع. الواقع العربي حتى الآن، لا يتعامل مع الثقافة بهذا المنظور الحر. مازالت المؤسسة العربية تقليدية، وتعتبر أن المثقف والمبدع يجب ان يكون ملحقاً بها، ويكاد يكون شرطاً لمساعدة الأديب، وهذا لا يشكل ملمحاً حضارياً على الصعيد الإنساني.

وردَّ حداد في المقابلة التي أجرتها الصحافية نبيلة سنجاق، على سؤال بشأن إقامته الابداعية ببرلين وما انطوت عليه تلك الإقامة بالقول:

كان ذلك في 2008، بدعوة من الأكاديمية الألمانية للتبادل الثقافي طيلة عام، اشتغلت على موضوع كان مؤجلاً لمدة طويلة وهو عن طرفة بن العبد، في كتاب عنوانه «طرفة بن الوردة»، سيصدر بألمانيا في أكتوبر/تشرين الأول المقبل في طبعتين، الأولى مطبوع بالآلة والثانية بخط يد الكتاب، وهو عبارة عن مزيج من الاشكال التعبيرية في الكتابة، أعدت فيه صياغة السيرة الذاتية لطرفة، برؤية جديدة ومغايرة. فقط رأيت في الأخبار الواردة عن سيرة طرفة كثيراً من الأشياء غير المتقنعة، فأعدت كتابتها، وناقشتها برؤية شعرية، وعبر شهادات والتوثيق وكتابة النص هو في العمق حوار عميق بيني وبينه بشكل غير مباشر.

وهنا جانب من نص الحوار:

هل أنت من اختار الاشتغال على الموضوع تحديداً أم كان ذلك طلباً من الجهة المستضيفة؟

- هو مشروعي الخاص، فعلاقتي بطرفة في عموم تجربتي كثيرة، ظهر ذلك في أكثر من نص، المستضيفون لا يتدخلون في اختياراتنا.

ما هي الفائدة التي يجنيها الألمان عموما بتنظيمهم هذه الإقامات لأسماء عربية كثيرة؟

- هذا هو السؤال الحضاري المهم جداً الذي يطرح على الثقافة عموماً. هذه المؤسسة تعمل منذ منتصف الستينيات، تدعو سنوياً بين 10 الى 20 مبدعاً من كل دول العالم في شتى الحقول وتمنحهم كل حقوق المواطن الألماني واحتياجات الإقامة، بما فيه التأمين والمخصصات المادية وتهيئ له ولعائلته السكن ليعمل بكل حرية لانجاز مشروعه، دون أن يطلب منه أي شيء بالمقابل. الألمان عبر هكذا مبادرات، يدافعون عن رؤية حضارية للثقافة هم يريدون فقط دعم أي مبدع لا يملك الظروف المثلى للعمل.

مع أن الدول العربية لا تنقصها الأموال لتوفير الشروط المادية؟

- لكن ينقصها الإحساس الحضاري بالثقافة، هذه هي المشكلة. الموقف يحتاج الى وعي عميق لدور الثقافة في المجتمع. الواقع العربي حتى الآن، لا يتعامل مع الثقافة بهذا المنظور الحر. مازالت المؤسسة العربية تقليدية، وتعتبر أن المثقف والمبدع يجب ان يكون ملحقاً بها، ويكاد يكون شرطاً لمساعدة الأديب، وهذا لا يشكل ملمحاً حضارياً على الصعيد الإنساني.

من 2008 الى 2011 تغيرت معطيات الشارع العربي، الذي قرر التعبير عن موقفه من الانظمة الحاكمة، فسبق بذلك ما عجز عنه المثقف؟

- ليس من العدل مقارنة الأدب والابداع، بالشارع وطريقة تعبيره عن الأشياء. كلاهما مختلفان في طريقة وشكل التعبير. الحراك الشعبي له شروطه الموضوعية والتعبير الأدبي شروطه الفنية.

عفوا، أنا لا أقارن بين حراك الشارع بالعمل الابداعي، لكن أردت أن أعرف إن كان قاسم حداد كشاعر ومثقف بحريني يشعر أنه جزء ممن يطلق عليهم بقادة الرأي؟

- ليس بهذا الشكل، أظن ان المبدع المفترض أن يسهم في الحوار، لكنه ليس قائداً سياسياً، هو يعبر بطريقة من الطرق عن رأيه، لكن أن يتحمل عبئاً سياسياً مباشراً كخطاب لا أجد نفسي في هذا السياق، فانا جزء من الحراك العام.

أتذكر في لقائنا الأخير منذ خمس سنوات تقريباًً، قلت لي إنك تحبذ لو نناقشك بعيداً عن السياسة، مع أن الحياة اليومية تورط الشاعر أو أي مبدع في تعاطي الشق السياسي؟

- ثمة فرق بين حب الكلام في السياسة وبين العلاقة الجوهرية بالسياسة. مهما ادعى الإنسان أنه لا يميل الى السياسة فهي مزاعم، وخصوصاً الأديب والفنان في عمق عمله موقف سياسي.

وصف موقف النخبة التي لم تعبر عن موقفها تجاه الاحتجاجات بأنها فاقدة للإحساس بـ «الشر كشر» و»الظلم كظلم»؟

- هذه من الظواهر التي أعطتنا الدروس الحقيقية في التفاهم بين الحراك والثقافة والسياسة والدين. لا يليق بالثقافة العربية أن يلجأ مثقف لإدانة مثقف آخر بمجرد الخلاف في الرأي، هذا لا يليق حضارياً وإنسانياً وهو يدل على خلل في بنية الثقافة العربية ككل وتغليب التعصبات بين المثقفين. العنف لا يأتي بالقتل فقط بل من الموقف الإنساني الآخر. فما الفرق بينك كمثقف وبين السلطة التي تدعو الى إصلاحها.

هل يمكن لتربة الرفض الشعبي أن تكون أرضاً خصبة يزرع فيها الشاعر قصائد جديدة تجدد روابطه بجمهوره؟

- هناك شروط مختلفة تماماً على صعيد الأدب والابداع لا تخضع للحركة اليومية للشأن العام. للقصيدة مناخها الخاص تتحرك في إطاره، لا نتوقع منها استجابة صحافية سريعة ولكن يجب أن نثق بأن الإبداع في شتى اجتهاداته سينجز دوره الحر. لا يستطيع الشاعر أن يقرر الكتابة بعد أسبوع أو شهر، لهذا اتركوا الأمر لعفوية المبدع فقط.

هل مازال التيار اليساري البحريني يعبر عن قناعاتك الديمقراطية، أم ثمة توجهات أخرى يمكن استيعاب طموحك كمواطن أولاً؟

- أجد نفسي في السياق الديمقراطي الحر، الذي يتجاوز الحدود الطائفية والمذهبية والأيديولوجية. أن يكون حراً مستقلاً نقدياً وديمقراطياً. أنا جزء من حركة نضالية يسارية تنشط منذ الستينيات، ومازالت تعمل في البحرين بأشكال مختلفة. أتفق أحياناً مع هذا التيار وأختلف معه أحياناً أخرى، وأطرح مآخذي النقدية في مساره وأصمت أيضاً. لكني غير مرتهن تنظيمياً به، بعد فترة من الانخراط في النضال السياسي سابقاً أجد نفسي في هذا السياق برؤية تقدمية. المجتمع البحريني متحرر في العمق وليس خاضعاً بشكل مسبق للتوصيف الطائفي أو الايديولوجي بل ميَّال إلى تحرر الحريات الشخصية والعامة.

هل يشعر المثقف البحريني أنه مطالب بإبداء توجهه الطائفي، ألم تكن يوماً مدفوعاً للتصريح بذلك؟

- أبداً، ولا في لحظة كنت أشعر أني مجبر على أن أكون إما شيعياً أو سنياً، على رغم أني شيعي وزوجتي سنية. هذه حياتي منذ السبعينيات، وهذا جعلني حراً لأطرح رأيي، فأنا لا أنتمي إلى جمعيات، على رغم علاقتي التاريخية باليسار، أنا حر، أختلف مع الآخر، ولا أصادر حق الدينيين في المشاركة في الحراك سياسياً، شريطة إبقاء الدِّين في مكانه

العدد 3215 - الأحد 26 يونيو 2011م الموافق 24 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً