انتقد مدير مركز «ديلويت» لدراسات التمويل الإسلامي، ومقره البحرين، حاتم الطاهر تركيز أنشطة البنوك على الاستثمارات التي تتركز على المضاربة والمشتقات المالية.
ودعا الطاهر في لقاء مع «الوسط» البنوك الإسلامية في المنطقة إلى الابتعاد عن المضاربة في العقارات وفي المشتقات المالية المعقدة والاتجاه نحو الاستثمارات في الاقتصاد الحقيقي وخصوصاً البنية التحتية والصناعة.
وأوضح الطاهر أن البنوك الإسلامية مازالت تملك فرصا قوية للنمو وأنها تستند على أسس سوقية متينة لأن سوقها هي في نحو 57 دولة يتجاوز حجم اقتصاداتها 7 مليارات دولار.
وأوضح الطاهر أن البنوك الإسلامية حققت مستويات نمو تفوق نظيراتها التقليدية، إذ تراوحت نسب النمو هذه في السنوات الماضية بين 10 و15 في المئة، لكنه رأى أن هناك تحديات تواجه البنوك الإسلامية من بينها كفاية رأس المال وكون أغلب البنوك هي ذات أحجام صغيرة لا تستطيع مجاراة البنوك العالمية الكبيرة في تمويل المشاريع.
ورأى طاهر أن هناك حاجة إلى «النوافذ الإسلامية» في ظل عدم قدرة البنوك الإسلامية حالياً على تمويل مشروعات كبيرة لضآلة حجمها مقارنة مع المصارف العالمية. واعتبر أن من حق البنوك التقليدية العالمية فتح نوافذ إسلامية لخدمة زبائنها. وفيما يلي اللقاء:
خلال العامين الماضيين حتى الآن تشهد المنطقة ودول العالم مشكلات اقتصادية ومصرفية حقيقية مثل أزمة الرهن العقاري وأزمة الديون في أوروبا وتأثر بنوك المنطقة بالوضع الحاصل في العالم، أين ترى المصارف الإسلامية في خضم هذه المتغيرات المتسارعة؟
- أعتقد بأن الصيرفة الإسلامية بخير وفي حالة تطور، ولا يوجد شك أن هناك بعض المشكلات وبعض التحديات، بشكل عام مازالت قوة النظام الاقتصاد والصيرفة الإسلامية تتمركز في دول مجلس التعاون الخليجي.
إذا تحدثنا عن اقتصادات الدول الإسلامية فنحن نتحدث عن 57 دولة في منظمة التعاون الإسلامي يبلغ إجمالي ناتجها المحلي أكثر من 7 تريليونات دولار. وهذا يعطي انطباعا عن سوق الصيرفة الإسلامية ويعطي فكرة عن منبع قوة المصارف والمؤسسات الإسلامية.
إذا تحدثنا عن دول التعاون، فالناتج المحلي يفوق التريليون دولار وهذا يخلق عجلة تطور مستمرة.
أتصور أن البنوك الإسلامية لديها حصة معقولة في حجم تمويل المشاريع القائمة سواء كانت مشروعات حكومية أو خاصة.
بلاشك أن آثار الأزمة المالية مازالنا نعيشها، وتداعياتها مازالت حاضره.
كانت البنوك عموماً والبنوك الإسلامية من ضمنها تتسابق في الاستثمار في العقار في السنوات الماضية وهذا خلق نوعا من الوفرة في بعض الدول والنقص في بعض الدول الأخرى، لنرى معروضا كبيرا من العقارات مقابل انخفاض في الطلب، ونرى الآن أن هناك «كتلا خرسانية» كثيرة خالية من المستأجرين أو الملاك.
إذا ما حصل تنسيق ما بين الدول الإسلامية سنرى أن هناك سوق ضخمة.
ما هي نسبة النمو حالياً في الصيرفة الإسلامية؟
- النسبة عادة تتراوح بين 10 و15 في المئة، الأسبوع الماضي الكثير من البنوك الإسلامية نشرت النتائج المالية ونرى أن هناك تحسنا. ونرى كذلك تحسنا في خدمات الزبائن.
كان هناك تراجع في إصدارات الصكوك، وخصوصاً أن الصكوك سابقاً كانت تتركز على القطاع العقاري لكن هناك الصكوك الحكومية وهي وسيلة لتمويل البنية التحتية ونرى هناك إصدارات هنا في البحرين وكذلك في ماليزيا ونرى إصدارات في سلطنة عمان، وخصوصاً أن هناك زيادة في الإنفاق الاجتماعي في دول المنطقة.
في الشهور الخمسة الماضية هناك حديث واسع عن تبني التمويل الإسلامي في سلطنة عمان لتمويل المشاريع.
باعتقادك ما هي القطاعات التي يمكن أن تستثمر فيها المصارف الإسلامية بعد تضرر الأسواق الأوروبية والأميركية جراء أزمة الرهون والديون السيادية؟
- أعتقد بأنه ينبغي أن نرجع إلى مبدأ وجوهر و «الرجوع للأصل» الصيرفة الإسلامية القائمة على تمويل الاقتصادات الحقيقية وتمويل السلع الحقيقية وليس النظام القائم على «المضاربات» مثل المشتقات المالية والاستثمار في الأوراق المالية وهذا ما رأيناه في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
إذا ما تحدثنا على النطاق الإقليمي، فأتصور أن هناك حاجة ماسة لزيادة الاقتصادات المنتجة وبالتحديد في الزراعة، قبل أيام احتفلنا بوصول سكان العالم إلى 7 مليارات نسمة وهو رقم مخيف ويخلق تحديات بتوفير الغذاء لهذا الكم الهائل من البشر.
ونرى على سبيل المثال دول أميركا اللاتينية تبدي اهتماما كبيرا بتطوير الزراعة، ودائما ما نقول إنه إحدى المفارقات أن صناعة اللحوم وصناعة الحلال تأتي من البرازيل ودول أميركا اللاتينية للدول الإسلامية، ونرى أنهم مهتمون بالتمويل الإسلامي لإنتاج اللحوم على الشريعة الإسلامية.
هل ترى أن تنظيم المصارف الإسلامية وطريقة عملها والقوانين التي تعمل من خلالها وصلت إلى مرحلة مكتملة أو شبه مكتملة؟
- هناك هيئة المعايير والمحاسبة الإسلامية التي تبحث تطوير المعايير الجديدة المتعلقة بالمؤسسات والمصارف الإسلامية والحوكمة وخصوصاً هيئات الإفتاء الشرعي. كذلك مجلس الخدمات الإسلامية في ماليزيا مازال يطور منتجات ومعايير في مجال التنسيق والتناغم بين الهيئات الشرعية وهيئات الإفتاء وإدارة المخاطر وبشكل عام تنظيم المصارف الإسلامية.
ولكن ما ينقصنا هو التنسيق بين الدول الإسلامية في هذا الجانب.
قطر قامت بخطوة غير مسبوقة عندما أغلقت النوافذ الإسلامية في البنوك التقليدية، ما هو رأيك في ذلك؟
- أعتقد بأن قطر لها الحق في اتخاذ ما تراه مناسبا من قرارات، وبوجهة نظري أن نظام النوافذ الإسلامية هو نظام تم إقراره في مجمع الفقه الإسلامي وكل المؤسسات والهيئات التشريعية وفق آليات وطرق معينة.
لا أعتقد بأن من العدل التوجيه لإغلاق النوافذ الإسلامية، هناك نوافذ إسلامية لبنوك مرموقة ومنذ سنوات طويلة مثل «سيتي بنك»، فهم لديهم زبائن بحاجة للتمويل الإسلامي.
البنوك المحلية لا تفي بحاجة الشركات لتمويل المشاريع الضخمة.
ما ذكرته يفتح الحديث عن التوجه نحو الاندماجات بين البنوك الإسلامية، هل ترى أن البنوك الإسلامية بحجمها الحالي ستستطيع الإيفاء بأغلب متطلبات السوق؟
- نعم، الحديث عن الاندماجات بدأ يظهر منذ ست سنوات ولكن في الوضع الحالي أصبح موضوع التكتل أمرا لابد منه. ليحصل نوع من إعادة هيكلة رؤوس أموال البنوك وإعادة رأس المال.
كيف يمكن للصناعة المصرفية الإسلامية أن تتطور؟
- الجانب الأول الذي يكثر الحديث عنه لتطور المؤسسات عموماً والمؤسسات المالية الإسلامية خصوصاً هو موضوع الحوكمة والشفافية، إلى جانب موضوع كفاءة وملاءة رأس المال ومع نقص الأموال لدى المساهمين قد يوجب ذلك عملية الاندماج.
الاهتمام بالزبائن هو موضوع أساسي ومهم جداًَ للبنوك الإسلامية. الزبائن أصبحوا على درجة عالية من الثقافة وأصبح لديهم الكثير من الخيارات، قبل عشرين سنة كان الزبون يتصف بالبساطة ويتصرف على سجية ويتوجه إلى أي بنك إسلامي لكن المنافسة الآن ودخول النوافذ الإسلامية أوجد خيارات كثيرة للزبائن.
الأمر الآخر، هو وجود بيئة تنافسية صحية بين البنوك الإسلامية، على سبيل المثال حينما كنت في إحدى الدول الإفريقية سمعت أن هناك بعض البنوك تتغاضى عن المعايير الشرعية لجذب زبائن كبار.
بالنسبة للتحديات هناك تحديات كثيرة، من بينها تأصيل الدعم الحكومي، لو أعطيت مثالا بالبحرين التي تبنت فكرة التمويل الإسلامي منذ أكثر من عشرين سنة، ربما بشكل واضح من حيث التدريب من خلال معهد الدراسات المصرفية وتبني التمويل الإسلامي، وماليزيا التي تبنت فكرة التمويل الإسلامي منذ أيام مهاتير محمد ووجه إلى تمويل مشاريع البنية التحتية على الطريقة الإسلامية، كما تم فتح معاهد وجامعات تهتم بهذا المجال.
والأمر المهم كذلك تطوير منظومة إدارة المخاطر بما يناسب عمل المؤسسات المصرفية الإسلامية، هناك بعض البنوك تكتفي بشراء برامج كمبيوتر وحلول إدارة مخاطر من دون ما أن تكون تتلاءم مع طبيعة العمل المصرفي الإسلامي.
ويجب كذلك تبني ثقافة التميز المهني، فلابد للبنوك أن تستثمر في الموارد البشرية سواء الموظفين والأنظمة وتقييم الموظفين لضمان استمراريتهم. والملاحظ أن البنوك التجارية مقصرة في هذا الجانب.
التحدي الآخر الذي تواجهه الصناعة المصرفية الإسلامية، هو التنسيق والتناغم بين الهيئات التشريعية المختلفة، بالمؤسسات ففي البحرين توجد هيئة المراقبة والمحاسبة الإسلامية والسوق المالية وفي ماليزيا مجلس الخدمات المالية الإسلامية، إذا ما تعامل كل إقليم بمفرده فلن تكون هناك قوة للصناعة المصرفية الإسلامية.
نسمع عن انتقادات فيما يتعلق بتكرار هيئة المراقبة الشرعية في عدد من البنوك الإسلامية داخل البلد الواحد، كيف يمكن تفادي ذلك؟
- نعم، نسمع ملاحظات بشأن ذلك. والحجج التي تساق في هذا الأمر قلة الخبرة أو العناصر الكفوءة القادرة على لعب هذا الدور.
وتستحضرني هنا تجربة ماليزيا التي عملت على إيجاد مجموعة من الخبراء في مجال التشريع، فهناك بعض الجامعات تدرس العلوم الإسلامية في هذا المجال.
في الختام هل تحدثنا قليلاً عن أهداف مركز ديلويت لدراسات التمويل الإسلامي؟
- إنشاء مركز ديلويت لدراسات واستشارات التمويل الإسلامي كان بهدف سد الفجوة في مراكز الدراسات والاستشارات المالية الإسلامية ومن ضمن أعمالنا تقديم دراسات متخصصة عن التمويل الإسلامي والتنسيق مع المؤسسات والهيئات والبنوك المركزية ومراكز التدريب بما يخدم ترويج مستوى الخدمات والممارسات الجيدة.
المركز بصدد وضع دراسة عن إدارة المخاطر في المؤسسات الإسلامية، إذ تم حصر أكبر البنوك في المنطقة وبالتحديد في دول مجلس التعاون. كما نتيح الدراسات والمطبوعات بشكل مجاني ويتم توزيعها على 26 مكتبا للشركة في الشرق الأوسط
العدد 3354 - السبت 12 نوفمبر 2011م الموافق 16 ذي الحجة 1432هـ