يوم السبت (17 ديسمبر/كانون الأول 2011)، فقدت الحركة الفنية والتشكيلية في البحرين واحداً من أهم رجالاتها، الفنان التشكيلي البحريني عبدالكريم البوسطة، الذي يعد أحد أهم رواد الحركة التشكيلية البحرينية، الذي دمج الخزف والنحت الخزفي خصوصاً إلى تجربته وكذلك الطباعة بشتى أنواعها وطرقها.
بشأن البوسطة كتبت الكثير من الأقلام، في حياته وبعد مماته، تنوعت المقالات واختلفت التوجهات لكن أجمع الجميع على أن البوسطة فنان استطاع أن يخلق لنفسه عالماً خاصاً ومميزاً لما يمتلك من مفردات شكلية ولونية ورموز خاصة به.
ولعل واحدة من أجمل الكتابات عن الراحل البوسطة، كان حواراً أجراه الفنان والكاتب المبدع عباس يوسف مع الراحل البوسطة أواخر العام 2009، نشره على ثلاث حلقات. حلقات يوسف الحوارية قدمت سيرة ذاتية وكانت من أجمل ما كتب حول الراحل البوسطة الذي وصفه كاتبها ومعدها بالدرس الذي لا نريد أن ينتهي.
«الوسط» تنشر مقتطفات ليست يسيرة من تلك اللقاءات، تسرد من خلالها مراحل مهمة من حياة الراحل الذي ترك بصماته ليس على الفن التشكيلي فحسب لكنه، بعبارة معد الحوارات عباس يوسف «له لوحة واحدة على كل جدار وبصمة على كل واحد من فناني اليوم».
بدأ يوسف بمقدمة تضمنت شهادة من أحد تلامذة البوسطة النجباء، الفنان عبدالجبار الغضبان الذي كان تلميذاً للبوسطة في المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية والذي وصف حصة التربية الفنية مع البوسطة بـ «جنة مفتوحة على كل شيء لا نتمنى انقضاءها أبداً».
الغضبان أحبَّ البوسطة الفنان والمعلم الذي لا يبخل على تلامذته بأي دعم مادي أو معنوي والذي كان يستقبله وباقي المهووسين بالفن من زملائه في بيته عصراً «لنسمع نصائحه وأحاديثه الجميلة عن تاريخ الفن وإنجازات عصر النهضة وتعليقاته الفنية على أعمالنا». البوسطة، بالنسبة إلى الغضبان، لم يكن مدرساً فقط بل كان فناناً يجوب أجواء المدرسة يبحث عن مساحة بيضاء يرسم عليها، يهبها الحياة لوناً وخطاً».
بعدها انتقل يوسف إلى حواره مع البوسطة الذي استعرض فيه شيئاً أشبه برواية السيرة الذاتية عبر مراحل حياته كفنان. وتحت عنوان التربة الأولى تحدث عن بيت البوسطة القديم في منطقة رأس الرمان وعن أجواء البحر الذي كان مصدر رزق الجد والأعمام والأخوال، وتأثيرات لونه وما يحدث فيه من قصص عليه.
العم سلمان الأغتم
ثم تطرق البوسطة إلى عمه المرحوم الحاج عبدالرسول الذي كان يعشق الفن ويقتني لوحات الفنان الفطري المرحوم الأصم سلمان الأغتم الذي يمتاز بدقة أعماله و«سمتريتها» بمعنى إنه إذا وضع خطاً ما لا يقبله إلاّ إذا كان مستقيماً، ولذلك كان يستخدم الخيط للدقة بدلاً من الفرشاة، وكان يرسم السفن البحرية. كان هذا في خمسينيات القرن الماضي، وكانت لوحاته ترسم على ألواح صناديق الشاي المستوردة من الهند بعد صقلها وصنفرتها. كانت رسوماته تشبه رسوم الفراعنة.
الحاج عبدالرسول لم يكن الوحيد الذي أثر في مشوار البوسطة الفني، لكنه كما أخبر يوسف، تأثر بعمِّه المرحوم الحاج علي الذي كان نجاراً. كان الحاج علي يصنع البراويز الخشبية وبالنسبة إلى البوسطة فقد كانت تلك البراويز «تُغرّى وتحضّر للرسم».
على تلك البراويز كان البوسطة يرسم بالأصباغ الزيتية العادية (البويه)، لكن البروايز لم تكن مساحته الوحيدة للرسم، كان فحم المطبخ وجدران البيوت المصبوغة بالجص «بمثابة ألواح أو جداريات مفتوحة أرسم عليها».
إغراء الأمكنة
وكما يتذكر البوسطة فقد كانت والدته تخشى على صحة عينيه من كثرة الرسم، لكن كل شيء كان يغريه، محيط المنزل وبيئة رأس الرمان حيث موسم الغوص وقصاصو الحصى كلها، كما يذكر يوسف، عوالم إثراء أوحت للفنان فجسدها في لوحاته بكل خصائصها وتفاصيلها، كزخارف البيوت وأشكال الجدران المبنية من الطين المخلوط بالتبن وشعر الأغنام إلى جانب ملابس النساء الشعبية «الشيلة والعباية والمشمر والبخنق».
كلها «كانت مادة غنية للتعبير لجهة ألوانها وأشكالها وما تتركه من آثار على المرأة ذاتها، كل هذه الأشكال تعطي شفافية، ضوءاً وظلاً، تبايناً في الألوان وتعطيك حركة راقصة في اللون والظل وكلها تصب في محور جميل».
في المدرسة تعلم البوسطة الرسم بدقة لكن في أجواء وصفها بأنها لم تكن تربوية صحيحة «لم تتح الفرصة لنا كأطفال للتعبير عن مشاعرنا الطفولية، عن براءتنا».
حين التقى بالمرحوم أحمد قاسم السني، بدءا الرسم معاً «في ذاك الوقت كانت الألوان ذات جودة عالية خاصة المائية». انضما لجمعية الرسم بالمدرسة وشاركا في مسابقات الرسم.
استمر الحال كذلك حتى المرحلة الثانوية «في هذه المرحلة تعرفنا على الألوان الزيتية وطرق التحضير من خلال مرسم المدرسة الكبير (...) كنا مجموعة من الطلاب أذكر منهم راشد العريفي، وأحمد البستكي، وخميس الشروقي، صالح باصره، والمرحوم ناصر اليوسف.
كنا نشتغل بالألوان المائية على ورق، وكذلك بالألوان الزيتية، وقتها كان يقام معرض سنوي عام يشمل جميع المواد الدراسية، في العام 1959 أقيم هذا المعرض وأنجزنا أعمالاً واقعية من بيئة البحرين فأنا رسمت باب البحرين، وقد اقتنت شركة بابكو هذه الأعمال ووضعتها في روزنامه وأعطي كل منا مبلغا أظن أنه تسعين 90 روبية والتي تعد وقتها مبلغاً لا بأس به»
أسرة هواة الفن
ويواصل المرحوم البوسطة حديثه ليوسف إذ يقول «بعد تخرجنا من المدرسة العام 1962، مباشرة أنا والمرحوم راشد سوار وناصر اليوسف وعبدالكريم العريض وراشد العريفي وسلطان يعروف، والمرحوم شقيقي عبدالمنعم البوسطة وكامل بركات وإسحاق خنجي إلى جانب الشاعرة إيمان أسيري والتي كانت أول بحرينية تشارك معنا في عالم الفن التشكيلي، انضممنا لأسرة هواة الفن، التي كانت تضم وقتها المسرحيين والموسيقيين والتشكيليين».
«أسرة هواة الفن» تطورت فيما يعد إلى جمعية البحرين للفن المعاصر. انضم البوسطة وبعض من رفاقه إلى عضويتها.
في الحلقة الثانية من مذكرات عبدالكريم البوسطة كما رواها ليوسف فتح البوسطة نافذة على فرشاة المستشار بلغريف وتحدث عن علاقته الفن وبجمعية الفن المعاصر. قال، إن بلغريف تخوّفَ من «الفن المعاصر» فعطل تأسيسها لكن المرحوم سعيد الزيرة الذي كان يعمل وقتها سكرتيراً لدى المستشار تدخل مطمئناً إياه قائلاً «هؤلاء لا يشتغلون بالسياسة»!
بعدها انتقل البوسطة إلى الحديث عمَّا أسماه بجماعة الهواء الطلق، يقول: «كنا نخرج مجموعة من الفنانين في ستينيات القرن الماضي للرسم على الطبيعة، أنا وكريم العريض وراشد سوار وراشد العريفي وناصر اليوسف والتحق بنا فيما بعد أسامة عبدالصالح، نرسم تخطيطات في المقاهي الشعبية، وفي الحارات (...) رسمنا الكثير من المواقع، ساحل الدراز، قرية بني جمرة، سماهيج والمحرق، وكنا نتعرض لبعض المشكلات مع أهالي القرى لا تخلو من الطرافة والاستغراب (...) كانت تصلنا ردود الأفعال من قبيل، أنكم تتعرضون لأعراضنا أو أنكم (تغزون بيوتاً)».
وواصل «بعد تأسيس تلفزيون البحرين ظن أهالي القرى هذه أننا نرسم نساءهم وبناتهم لعرضها على التلفزيون، إلاّ أنه بالتفاهم وتوضيح مقاصدنا «الفنية الطيبة» (...) ظهرت طيبة الأهالي وتواضعهم وبدأ الترحيب بنا وضيافتنا».
وقال البوسطة «استفدنا من خروجنا ورسمنا للطبيعة مباشرة ففي ذاك الوقت لم يكن هناك جو فني بمستوى الطموح، مثل أكاديمية فنون، أو لوحة مرسومة بالمواصفات المتعارف عليها موضوعة في مكان ما يمكنك مشاهدتها، بخلاف لوحات الفطريين التي كانت متوافرة، هذا ما حفزنا على العمل (الرسم) بجد لأجل فعل يصبح ذا قيمة تاريخية، فكل منا فكر في موضوعة ما تكون بمثابة البحث الذي يشتغل عليه، وأغلب الموضوعات ذات صلة بالإنسان مثل القصص والأساطير التي كانت تُحْكي لنا ونسمعها، أي الفلكلورية والتراثية؛ إذ رسمت موضوعات كأم حمار وأم الخضَر والليف، هذه الموضوعات ساعدتنا كثيراً على إنتاج لوحة ذات صبغة تاريخية».
بعدها تحدث البوسطة عن معرض كرايرز الذي أقيم العام 1969 وجال بعض الدول العربية والأوربية وكان بمشاركة ثمانية فنانين هم حسين السني وراشد سوار وناصر اليوسف وراشد العريفي وسلطان يعروف وعبدالكريم العريض وعبدالكريم البوسطة وعباس المحروس. في هذا المعرض شارك البوسطة بأعمال تناولت موضوعات السفن التي رسمتها في منطقة النعيم «وقتها كتب أحد النقاد السوريين عن لوحاتي أن هذا الفنان أجاد الجانب التعبيري».
قال البوسطة، إن المعرض جعله ورفاقه يتمكنون من رؤية اللوحة المعاصرة «تعرفنا كيف يختزل الفنان، كيف يجرد وكيف يرسم دون أن يحكر نفسه أو يحاسبها على تفاصيل دقيقة أو في نسب معينة».
بعد ذلك «عملنا على أن تكون للوحة قراءة بحيث حين يشاهدها المتلقي يدرك بإحساسه أنها تمثل أمراً ما»
جمعية الفن المعاصر
كان للبوسطة دور محوري في جمعية الفن المعاصر من خلال مشاركته الفنية فيها منذ العام 1971 وحتى العام 1987 في تأسيس اللجنة الثقافية وأنشطتها العامة المتمثلة في معارضها المحلية والخارجية بمعية عدد من الفنانين.
لعل أهم ما أجمع عليه جميع من تحدثوا عن البوسطة كونه رجلاً فناناً يحتفظ بعلاقات الطيبة مع الجميع. لا خلافات شخصية ولا عداوات وهو في حديثه مع عباس يوسف يقول: «كنت دائم التمنى بأن يكون الخلاف فكرياً لا خلافاً شخصياً، لأن الخلافات الشخصية تفسد للود قضية في حين الخلاف الفكري يولد إبداعاً».
وواصل «تصور لو أن جيل الرواد وما أعقبهم من فنانين شكلوا خلية واحدة همها الانتقال من الحسن إلى الأحسن، لتوافر لدينا نقد ذاتي وجماعي، وهذا ما كان من المفترض أن يعوض بصورة وأخرى غياب معاهد ومدارس الفنون، وبالتالي هو من سيولد الفكر ويثري الجانبين النظري والعملي في مجال الفنون».
عن حضور شقيقه الفنان المرحوم عبدالمنعم البوسطة والأثر الذي تركه بعد الغياب، قال: «كأخ وزميل وكهم مشترك، مازلت أنا ماش على الدرب الذي بدأناه، يحضر دائماً من خلال تلك النقاشات المتعلقة بالفن، بخروجنا سوية للرسم على الطبيعة، البيت الواحد كان يجمع أعمالنا، هو يميل إلى التشخيص، وأنا أميل إلى التعبيرية والتجريدية أكثر، كنا دائماً مع بعض».
عن الرسم في المواكب الحسينية قال: «بدأنا - أنا والمرحوم عبدالمنعم البوسطة - الرسم للمواكب الحسينية منذ الستينيات رأينا أنه لا بد من تكوين قراءة مغايرة للآخر، بجوار خطاب المنبر ومختلفة أيضاً عنه، أي تحويل خطاب المنبر إلى لغة تشكيل وتكون هذه اللغة مقروءة لجميع فئات البشر وللكبير والصغير ولجميع المستويات، ولكون التراث الحسيني تراثاً عظيماً بعيداً عن الجانب المذهبي، ننظر إليه من جانبه الإنساني هذا الجانب يتمثل في أن الإمام الحسين إنسان ينشد الحق وتحقيقه للإنسانية جمعاء ويعد واحداً من الرواد في الدعوة للحق. ارتأينا أن نوصل هذه الرسالة من خلال الرسم، يتعرفون على أهدافه من خلال العمل الفني، وكأن هذا الحشد من الناس يسير وراء هذا الرسم الذي هو عبارة عن إعلان إلى هذا الإنسان ودعوته وثورته».
وعن عالم الخزف قال: «الخزف عالم واسع لسبب دخول وتداخل عدة أمور فيه، الجانب الفيزيائي والكيميائي هذا إلى جانب عملية البناء والتكوين، كل هذا الاحتواء بحاجة إلى بحث دائم ومتواصل وعليه هو بحاجة إلى فهم من حيث القيمة الفنية والجمالية بعيداً عن النفعية المباشرة، فعملت على تحويل الجانب التطبيقي هذا إلى لغة تتحدث كما يتحدث بها اللون والشكل في الوقت ذاته
العدد 3403 - السبت 31 ديسمبر 2011م الموافق 06 صفر 1433هـ