تعهد القادة العسكريون، الذين سيطروا على زمام الحكم في مصر بعد الإطاحة بحسني مبارك، «بحماية الثورة» وتسليم الحكم إلى سلطات مدنية في غضون ستة أشهر. والآن وبعد مرور عام كامل، يبدو أن الجنرالات الحاكمين قد عمدوا إلى اختطاف المرحلة الانتقالية بغية المحافظة على الاستقلالية الاقتصادية لمؤسستهم العسكرية وتأمين مستقبلهم السياسي الذاتي.
فيقول الناشط المعروف أحمد ماهر، «المجلس العسكري لم يحمِ الثورة أبداً وإنما حمى نفسه».
وكان المصريون قد أشادوا برفض الجيش المصري إطلاق النار على المتظاهرين خلال بداية الثورة التي أطاحت بمبارك بعد مجرد 18 يوماً من إندلاعها، لكن شعبية الجيش تراجعت بصورة كبيرة في الأشهر الأخيرة مع تصاعد الغضب الشعبي ضد تصاعد ممارسات العسكر لأعمال القمع والإبطاء في إنجاز المرحلة الانتقالية.
كما جرى اتهام العديد من الجنرالات بالسعي إلى الحفاظ على الامتيازات التي تمتعت بها المؤسسة العسكرية المصرية منذ استيلاء ضباط الجيش على السلطة في انقلاب عسكري قبل نحو 60 عاماً.
والمعروف أيضاً أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد تعرض لموجة عارمة من الاحتجاجات جراء محاولاته صياغة مادة دستورية تهدف إلى استثناء العسكر من سلطة أي برلمان منتخب.
فإضطر المجلس الحاكم إلى التخلي عن اقتراحه في هذا الصدد بعد معارضة شديدة من جانب الثوار والنشطاء والحركات السياسية، والذين رفضوا القبول بأي نصوص دستورية يكون من شأنها تكريس السلطة العسكرية واستثناء موازنة القوات المسلحة من الرقابة المدنية. والواقع هو أنه لدى الجنرالات الحاكمين مصالح اقتصادية كبيرة، بما في ذلك حصة تقدر بنسبة 30 في المئة من إجمالي الاقتصاد المصري البالغ حجمه 180 مليار دولار سنوياً، و 1،5 مليار دولار على شكل «أجر» من واشنطن في مقابل الحفاظ على السلام مع إسرائيل. كما من المعروف أن كبار الضباط العسكريين قد سيطروا على قطاع الأعمال والشركات والمنتجعات السياحية، فضلاً عن مصانع تنتج كل شيء، من الأسلحة والمركبات إلى الملابس والمياه المعبأة.
فيشير أستاذ الإدارة بجامعة الإسكندرية، أحمد صقر عاشور إلى أن الجيش يتحكم في كثير من القطاعات الاقتصادية، والآن يسيطر على الحكومة التي تنظم هذه القطاعات... ما يفسر عدم رغبتهم في التخلي عن كل ذلك.
هذا ولقد تباطأ المجلس العسكري أيضاً في تنفيذ عملية تفكيك مؤسسات الدولة التي دعمت نظام مبارك القمعي. وعلى الرغم من أن المحكمة أمرت بحل الحزب الحاكم سابقاً، وقدمت العديد من قادته السابقين للمحاكمة، إلا أن السلطات راعت احترام مبارك وحاشيته.
كذلك فقد اتهم كثير من الناشطين المحاكم بالرخوة مع ضباط الشرطة المتهمين بقتل المئات من المتظاهرين خلال الثورة، وأيضاً بأن التغييرات الواقعة في وزارة الداخلية ما هي سوى مجرد عملية تجميلية بحتة. فالواقع أنه لم يتم عزل أو محاسبة العديد من كبار الضباط المتورطين في التجاوزات والانتهاكات المرتبكة.
هذه المعاملة اللينة تتناقض مع استخدام الجيش الأساليب الوحشية ضد الأهالي. فمنذ الإطاحة بمبارك، عمدت قوات الأمن إلى استخدام القوة الساحقة لتفريق المظاهرات، وخاصة تلك التي تنتقد الحكم العسكري.
يضاف إلى ذلك أن المجلس العسكري قد وسع في سبتمبر/ أيلول نطاق قوانين الطوارئ التي وضعها نظام مبارك والتي تجيز للشرطة الحق اعتقال المواطنين من دون تبرير. كما جرت محاكمة أكثر من 12000 مواطناً مدنياً، بما في ذلك المحتجين، في محاكمات غير نزيهة أمام محاكم عسكرية. ويشكو الكثيرون من التعذيب وسوء المعاملة في السجون العسكرية، في حين تعرضت بعض المعتقلات للمسماة «اختبارات العذرية» المذلة على أيدي العسكر. يضاف إلى كل ما سبق أن قادة المجلس العسكري قد أتهموا مراراً وتكراراً ما أسموه «يد خفية» بالتحريض على العنف، بما في ذلك الاشتباكات التي وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين والتي خلفت أكثر من 80 قتيلاً وآلاف الجرحى خلال الأشهر الثلاثة الماضية. «اليد الخفية هي المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه»، حسبما يؤكد المحامي والناشط نجاد البرعي، الذي يضيف «الجيش يضرب الناس ويقتل المتظاهرين في الشوارع ولم ينفذ أياً من مطالب الثورة... وهذا هو السبب وراء العنف».
والآن وقد انقضت السنة الأولى على الثورة الشعبية، يشدد الكثيرون على أن مبارك قد ولى لكن الجنرالات الذين أحلوا محله لا يزالوا يواصلون حكم البلاد على حساب الشعب. فيؤكد البرعي أن «ثورة حقيقية تتطلب مساءلة العسكري أمام حكومة مدنية منتخبة»
العدد 3429 - الخميس 26 يناير 2012م الموافق 03 ربيع الاول 1433هـ